وإن اجتمع الناس على غيرك حمدت اللّه على ذلك وسكتّ ولزمت منزلك ، فإني خائف عليك أن تدخل مصرا من الأمصار ، أو تأتي جماعة من الناس فيقتتلون فتكون طائفة منهم معك ، وطائفة عليك ، فتقتل بينهم . ( وفي رواية مثير الأحزان للجواهري ، ص 7 ) : « فيقتتلوا فتكون لأول الأسنة غرضا ، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما ، أضيعها دما وأذلها أهلا » . فقال له الحسين عليه السّلام : يا أخي فإلى أين أذهب ؟ . قال : تخرج إلى مكة ، فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك الّذي تحب ، وإن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن ، فإنهم أنصار جدك وأبيك وأخيك ، وهم أرأف وأرقّ قلوبا وأوسع الناس بلادا وأرجحهم عقولا ، فإن اطمأنّت بك أرض اليمن فذاك ، وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال ( وفي رواية : شعب الجبال ، أي رؤوسها ) ، وصرت من بلد إلى بلد ، حتّى تنظر ما يؤول إليه أمر الناس ، ويحكم اللّه بيننا وبين القوم الفاسقين . ( وفي رواية تتمة ذلك ) : « فإنك أصوب ما تكون رأيا وأحزمه عملا ، حتّى تستقبل الأمور استقبالا ، ولا تكون الأمور أبدا أشكل عليك منها حين تستدبرها استدبارا « 1 » » . فقال له الحسين عليه السّلام : يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية ، فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « اللهم لا تبارك في يزيد » . فقطع محمّد الكلام وبكى ، فبكى معه الحسين ساعة ، ثم قال :
يا أخي جزاك اللّه عني خيرا ، فلقد نصحت وأشرت بالصواب ، وأرجو أن يكون رأيك موفقا مسددا ، وأنا عازم على الخروج إلى مكة ، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ، ممن أمرهم أمري ورأيهم رأيي . وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم في المدينة ، فتكون لي عينا عليهم ، ولا تخف عليّ شيئا من أمورهم « 2 » .
وقام من عند ابن الحنفية ودخل المسجد وهو ينشد :
لا ذعرت السّوام في فلق الصب * ح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيما * والمنايا يرصدنني أن أحيدا
وسمعه أبو سعيد المقبري ، فعرف أنه يريد أمرا عظيما .
هامش
( 1 ) مقتل المقرم ، ص 150 نقلا عن تاريخ الطبري ، ج 6 ص 191 ؛ وكامل ابن الأثير ، ج 4 ص 7 ؛ والمناقب لابن شهرآشوب ، ج 3 ص 240 ؛ وشبيه هذا الكلام في مقتل أبي مخنف ، ص 14 .
( 2 ) مقتل المقرم ، ص 150 عن مقتل محمّد بن أبي طالب . واعتذر العلامة الحلي عنه بالمرض ، وابن نما الحلي عنه بقروح أصابته ، ولم يذكر أرباب المقاتل هذا العذر .