فاجتمع الذين خذلوا الزهراء عليها السّلام فيما سبق حول دارها وجعلوا يضجون وينتظرون خروج جنازة بنت المصطفى عليها السّلام ليقوموا عليها ويصلوا ! !
وعلى العادة لم يفت أبو بكر وعمر هذا الأمر بل جاءا أول الناس ليغطّوا على ظلمهم الذي ارتكبوه بحقّ الزهراء عليها السّلام .
فأقبلا يعزيان عليا وقالا : يا أبا الحسن ، لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول اللّه . ولكن الزهراء والإمام علي عليهما السّلام بعصمتهما لم تخف عليهم مثل هذه الحيل ، ولهذا لم تكن وصية الزهراء عليها السّلام اعتباطا إذ أوصت بعلها أن يشيعها ويدفنها سرا وأن لا يسمح لهؤلاء أن يصلّوا عليها . فالزهراء عليها السّلام بوصيتها هذه أبطلت جميع مخططات المنافقين والغاصبين .
وعملا بهذه الوصية أرسل أمير المؤمنين عليه السّلام أبا ذر ليفرّق الناس . فأقبل أبو ذر وقال لهم : « انصرفوا فإن ابنة رسول اللّه قد أخّر إخراجها هذه العشية » . فقام الناس وانصرفوا .
فلما جن الليل ومضى شطرا منه وهدأت الأصوات ونامت العيون قام أمير المؤمنين عليه السّلام لينفّذ وصية الزهراء عليها السّلام . فأشعل النار في جريدة النخل ثم بادر إلى غسل جثمان الزهراء الذي أنهكته المصائب والآلام . وكانت أسماء تناوله الماء وأمير المؤمنين عليه السّلام يصب الماء على جسدها وهي في قميصها فلم يكشف القميص عنها . وقد يكون السبب في ذلك أن أمير المؤمنين عليه السّلام أراد أن لا يقع عيون أبناء الزهراء عليها السّلام على أثر الضربات والصدمات الموجودة في جسم أمهم . وروي أن الزهراء عليها السّلام تطهّرت قبل أن تفارق روحها الحياة وأمرت أن لا يكشفها أحد . ولعل هذه من الأمور التي قد خصها الرسول صلّى اللّه عليه وآله بها .
وقد يكون غسل أمير المؤمنين عليه السّلام للزهراء عليها السّلام عملا بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذ لم يكن بوسع أحد غير أمير المؤمنين عليه السّلام غسلها لأنها كانت صديقة ولا يغسل الصديقة إلا الصديق كما لم يغسّل الصديقة مريم بنت عمران إلا ابنها الصديق عيسى عليه السّلام ، لأن المعصوم ينبغي أن يغسّله المعصوم وأن لا تصل إليه يد غير المعصوم ، ولهذا لم تباشر أسماء غسل الزهراء عليها السّلام بل كانت مهمتها فقط صب الماء .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 177
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص١٧٧