فأقبل أمير المؤمنين عليه السّلام مسرعا حتى دخل عليها ، وإذا بها ملقاة على فراشها - وهو من قباطي مصر - وهي تقبض يمينا وتمدّ شمالا . فأخذ رأسها وتركه في حجره وناداها :
« يا زهراء » ! فلم يسمع منها جوابا . فناداها : « يا بنت محمد المصطفى » ، فلم يسمع منها جوابا . فناداها : « يا بنت من حمل الزكاة في طرف ردائه وبذلها على الفقراء » ، فلم يسمع جوابا . فقال : « يا بنت من صلى بالملائكة في السماء مثنى مثنى » فلم يسمع جوابا . فقال :
« يا فاطمة ، كلميني فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب » . ففتحت الزهراء عليها السّلام عينها في وجهه ، ثم أجهشت بالبكاء فلم يتمالك أمير المؤمنين عليه السّلام نفسه فبكى معها .
ثم قال لها : ما الذي تجدينه ؟ فقال : يا أبا الحسن ، رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في قصر من الدر الأبيض . فلما رآني قال : « هلمّي إليّ يا بنية فإني إليك مشتاق » . فقلت : واللّه إنّي لأشد شوقا منك إلى لقائك . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « أنت عندي هذه الليلة » ، وهو الصادق لما وعد والموفي لما عاهد .
ثم قالت : يا ابن العم وأنا أوصيك بأشياء في قلبي . فقال لها علي عليه السّلام : أوصني بما أحببت يا بنت رسول اللّه . فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت . فقالت :
يا ابن العم ، ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني .
فقال : معاذ اللّه ، أنت أعلم باللّه وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفا من اللّه أن أوبخك بمخالفتي . وقد عزّ عليّ مفارقتك وتفقدك إلا أنه أمر لا بد منه . واللّه جدّدت عليّ مصيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقد عظمت وفاتك وفقدك ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها . فهي واللّه مصيبة لا عزاء لها ورزية لا خلف لها .
فقالت له : أنا أستودعك اللّه تعالى وأوصيك في ولدي خيرا . وإذا دنت مني المنية فابعث زينب وأم كلثوم إلى بيوت الهاشميين لئلا يرين وفاة أمهما .
ثم بعد ذلك بمدة تدهورت صحة الزهراء عليها السّلام فاضطجعت على يمينها مستقبلة القبلة ووضعت يدها اليمنى تحت خدها وكان حولها مجموعة من النساء فاعترتها حالة الاحتضار ، ففتحت عينيها وقالت : « السلام على جبرائيل ، السلام على رسول اللّه ، اللهم مع رسولك ، اللهم في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام » .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 174
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص١٧٤