فأفاض أمير المؤمنين عليه السّلام عليها من الماء ثلاثا أو خمسا وجعل في الأخيرة شيئا من الكافور الذي كان حصتها من الجنة .
فلما أكمل أمير المؤمنين عليه السّلام غسلها ، كفّنها في سبعة أثواب وقال : « اللهم إنها أمتك وابنة رسولك وصفيتك وخيرتك من خلقك . اللهم لقّنها حجتها وأعظم برهانها وأعل درجتها وأجمع بينها وبين أبيها محمد » .
يقول أمير المؤمنين عليه السّلام عن كيفية تجهيزها : واللّه لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشف عنها . فو اللّه لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة . ثم حنّطتها من فضلة حنوط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وكفّنتها وأدرجتها في أكفانها . فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت :
« يا أم كلثوم ، يا زينب ، يا فضة ، يا حسن ، يا حسين ، هلموا تزودوا من أمكم ، فهذا الفراق واللقاء في الجنة » .
وكان أبناء الزهراء عليها السّلام ينتظرون إذن أبيهم ليتزودوا من أمهم فلما أذن لهم بذلك أقبل الحسنان فألقيا بأنفسهما على جسدها . ويصف أمير المؤمنين عليه السّلام هذه الحالة قائلا : إني أشهد اللّه أنها قد حنّت وأنّت ومدّت يديها وضمّتهما إلى صدرها مليّا ، وإذا بهاتف من السماء ينادي : يا أبا الحسن ، ارفعهما عنها فلقد أبكيا واللّه ملائكة السماوات ، فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب .
ثم حان موعد الصلاة عليها ، فلم يصلّ عليها أحد ممن ظلمها بل صلى عليها أفضل من على وجه البرية ، ولم يكن على وجه الأرض سوى سبعة لهم هذا المقام وهم :
أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السّلام ، وسلمان وأبو ذر والمقداد وفضة ويليهم من بعدهم أيضا قلّة صالحة لها اتصال بولي اللّه الأعظم .
ثم جعلها أمير المؤمنين عليه السّلام في ملحودة قبرها ، ووارى عليها التراب . فلما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن ، فأرسل دموعه على خديه وحوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : « السلام عليك يا رسول اللّه ، عني وعن ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك ، المختار اللّه لها سرعة اللحاق بك . قلّ يا رسول اللّه عن صفيتك صبري وضعف عن سيدة النساء تجلّدي . . . » .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 178
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص١٧٨