معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدّنيا ، . . .
شرح
معاصيك ) ، لأنّ القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء جميعها عن ارتكاب المعاصي ، وبقدر قلّة الخوف يكون الهجوم على المعاصي ، فإذا قلّ الخوف جدّا ؛ واستولت الغافلة ؛ كان ذلك من علامة الشقاء ، ومن ثمّ قالوا : المعاصي بريد الكفر ؛ كما أنّ القبلة بريد الجماع ، والغناء بريد الزّنا ، والنّظر بريد العشق ، والمرض بريد الموت ، وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرّة بالعقل والبدن ؛ والدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلّا اللّه .
( ومن طاعتك ما تبلّغنا ) - بتشديد اللّام المكسورة ، ويجوز تخفيفها - أي :
توصلنا ( به جنّتك ) ؛ أي : مع شمولنا برحمتك ، إذ ليست الطاعة وحدها مبلّغة ، بدليل خبر : « لن يدخل أحدكم الجنّة بعمله » ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ ! ! قال : « ولا أنا ؛ إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمته » .
( ومن اليقين ) ؛ أي : وارزقنا من اليقين بك ، ونفوذ قضائك ، وأنّه لا رادّ له ، وبأنّه لا يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا ، وبأنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا ؛ وما أصابنا لم يكن ليخطأنا .
( ما تهوّن ) - بكسر الواو المشدّدة وبالتحتيّة والفوقيّة - قال ابن الجزري : رواية « ما تهوّن علينا » بحذف « به » يقتضي أن يكون بالتّحتيّة ، وإثباته يقتضي أن يكون بالفوقيّة ! ! انتهى .
أي : يسهّل ويخفّف ( به علينا مصائب الدّنيا ) بأن نعلم أنّ ما قدّرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب منفعة ، وأنّك لا تفعل بالعبد شيئا ؛ إلّا وفيه صلاحه ، وذلك كموت الولد ، فيلاحظ أنّ هذه المصيبة في طيّها رفع درجات ، وتكفير سيّئات ، ويتيقّن أنّها بإرادته تعالى ، فهذا شأن الكاملين . وقوله :
« مصائب » - بالنصب - وقد يرفع على أنّ « يهون » - بفتح أوّله وضمّ الهاء - :
مضارع هان ؛ بالتحتيّة والفوقيّة . واللّه أعلم .