وروى البخاريّ : . . .
شرح
قال بقراط في أثناء كلامه في « الأمراض الحادّة » :
ضرر الخمر بالرأس شديد ، لأنّه يسرع الارتفاع إليه ، ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن ، وهو كذلك يضرّ بالذّهن .
وقال صاحب « الكامل » : إنّ خاصّيّة الشّراب الإضرار بالدّماغ والعصب . وأمّا غيره من الأدوية المحرّمة ! فنوعان :
أحدهما : تعافه النّفس ، ولا تنبعث لمساعدته الطّبيعة على دفع المرض به ؛ كالسّموم ، ولحوم الأفاعي ، وغيرها من المستقذرات ، فيبقي كلّا على الطّبيعة مثقلا لها ، فيصير حينئذ داء لا دواء .
والثّاني : ما لا تعافه النّفس ؛ كالشّراب الّذي تستعمله الحوامل مثلا ، فهذا ضرره أكثر من نفعه ، والعقل يقضي بتحريم ذلك ، فالعقل والفطرة مطابق للشّرع في ذلك .
وهاهنا سرّ لطيف في كون المحرّمات لا يستشفى بها ، فإنّ شرط الشّفاء بالدّواء تلقيه بالقبول ، واعتقاد منفعته ، وما جعل اللّه فيه من بركة الشّفاء ، فإنّ النّافع هو المبارك . وأنفع الأشياء أبركها . والمبارك من النّاس أينما كان هو الّذي ينتفع به حيث حلّ .
ومعلوم أنّ اعتقاد المسلم تحريم هذه العين ممّا يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها ؛ وبين حسن ظنّه بها ؛ وتلقّي طبعه لها بالقبول ، بل كلّما كان العبد أعظم إيمانا ؛ كان أكره لها ، وأسوأ اعتقادا فيها ، وطبعه أكره شيء لها ، فإذا تناولها في هذه الحال ؛ كانت داء له لا دواء ، إلّا أن يزول اعتقاد الخبث فيها ، وسوء الظّنّ والكراهة لها بالمحبّة ، وهذا ينافي الإيمان ، فلا يتناولها المؤمن قطّ إلا على وجه داء . واللّه أعلم . انتهى كلام ابن القيّم رحمه اللّه تعالى .
( وروى البخاريّ ) ، ومسلم ، وابن ماجة في « الطّبّ » كلّهم ؛