وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه ، حتّى كأنّ مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه للجالس إليه .
ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة .
قال تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
[ آل عمران : 159 ] .
شرح
وفيه أنّه ينبغي للشخص أن لا يسأل عن شيء إلّا بعد تحقّق أمره والتثبت فيه ، لأنّه ربّما ظهر خطؤه فيفتضح حاله .
( و ) في « الإحياء » : ( كان صلّى اللّه عليه وسلم يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه ) ؛ بالإقبال عليه ، ( حتّى كأنّ ) - بالتشديد - ( مجلسه وسمعه ) بالإصغاء ، ( وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه ) ؛ كلّ ذلك ( للجالس إليه ، ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة ) .
قال في « شرح الإحياء » : رواه الترمذيّ في « الشمائل » ؛ في حديث عليّ الطويل . وفيه : ويعطي كلّ جلسائه نصيبه ؛ لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه ، وفيه : ومجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة .
( قال ) اللّه ( تعالى ) ممتنّا عليه في كتابه العزيز (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ) [ 159 / آل عمران ] « ما » زائدة للتأكيد ، أي : فبرحمة . وقيل : نكرة موصوفة ، و « رحمة » بدل من « ما » (لِنْتَ لَهُمْ) - أي : سهلت أخلاقك لهم - (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) - أي : سيّئ الخلق - (غَلِيظَ الْقَلْبِ) - أي : قاسيه على الخلق - (لَانْفَضُّوا) - أي : تفرقوا - (مِنْ حَوْلِكَ) ولم ينتفعوا بقولك .
والمعنى : أنّك لو كنت فظّا غليظ القلب انفضوا عنك ، أي : تفرّقوا ولم يجتمعوا عليك ، ولكن بلين جانبك لهم ؛ وشفقتك عليهم تؤلّف قلوبهم ، وتزيد محبّتهم . وهذا امتنان عليه بما جبله اللّه عليه من الأخلاق الحسنة .