فقال : إنّي رأيتها تأكل شيئا ، فحلفت ألّا آكلها . قال : ادن ، فإنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأكل لحم الدّجاج .
شرح
وهذا يدلّ على أنّه ينبغي لصاحب الطعام أن يسأل عن سبب امتناع من حضره من الأكل .
( فقال ) أي الرّجل لأبي موسى ( : إنّي رأيتها ) ، أي : أبصرت الدّجاجة حال كونها ( تأكل شيئا ) أي : قذرا . وأبهمه لئلّا يعاف الحاضرون أكله عند التصريح به . زاد في بعض الروايات : فقذرتها ، أي : كرهتها نفسي ، ( فحلفت ) - بفتح اللّام - أي : أقسمت ( ألّا آكلها ) ، ولعلّ حلفه لئلّا يكلّفه أحد أكله فيعذره بالحلف . ( قال : ) أي : أبو موسى للرّجل :
( ادن ) ؛ أي : أقرب ؛ من الدّنوّ وهو القرب . وأمره بالقرب ليأكل من الدّجاج ؛ ( فإنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأكل لحم الدّجاج ) . بيّن له أبو موسى أنّ ظنّه ليس في محله ؛ لما رأى من أكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لها ، فينبغي أن يأكل هذا الرّجل منها ؛ اقتداء بالمصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ويكفّر عن يمينه ، فإنّه خير له من بقائه على يمينه ، لخبر : « لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به » .
وهذا يدلّ على أنّه ينبغي لصاحب الطّعام أن يسعى في حنث من حلف على ترك شيء لأمر غير مكروه شرعا ، إلّا إذا كان الحلف بالطلاق ، فلا ينبغي له أن يسعى في حنثه فيه ، وكذا لو حلف بالعتق ؛ وهو محتاج لقنّه ، لنحو خدمة أو منصب .
ويؤخذ منه جواز أكل الدّجاج ، وهو إجماع ، إلا ما شذّ به بعض المتعمّقين على سبيل الورع ، لكن استثنى بعضهم الجلّالة ؛ فتحرم أو تكره - على الخلاف المشهور فيها - .
وما ورد من أنّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أيّاما ؛ ثمّ يأكلها بعد ذلك ! ! إنّما هو في الجلّالة ، فكان يقصرها حتّى يذهب اسم الجلّالة عنها .
قال ابن القيّم : ولحم الدّجاج حارّ رطب ، خفيف على المعدة ، سريع