فوضعت بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فقال :
« يا سلمان . . ما هذا ؟ » .
مستعارة للظرف ، وإنما سمّيت « مائدة » لأنها تميد بما عليها ؛ أي : تتحرّك . وقيل :
لأنها تميد من حولها مما عليها ، أي : تعطيهم . فهي على الأول من ماد ؛ إذا تحرك ، وعلى الثاني من ماد ؛ إذا أعطى . وربما قيل فيها : ميدة ؛ كقول الراجز :
وميدة كثيرة الألوان * تصنع للجيران والإخوان
( فوضعت ) - بالبناء للمفعول - أي : المائدة ( بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) قال العراقي في « شرح تقريب المسانيد » : اعلم أنّ ظاهر هذه الرواية أنّ ما أحضره سلمان كان رطبا فقط . وروى أحمد ، والطبراني بإسناد جيد ؛ من حديث سلمان نفسه أنه قال : فاحتطبت حطبا فبعته ، فصنعت طعاما ؛ فأتيت به النبي صلّى اللّه عليه وسلم .
وروى الطبراني أيضا بإسناد جيّد : فاشتريت لحم جزور بدرهم ؛ ثم طبخته ، فجعلت قصعة ثريد فاحتملتها على عاتقي ، ثم أتيت بها ووضعتها بين يديه . فلعل المائدة كان فيها طعام ورطب ! ! .
وأما ما رواه الطبراني ؛ من حديث سلمان أيضا : أنّها تمر ، فضعيف .
ولا مانع من الجمع بين الثلاثة لو صحّت الرواية ، فتكون المائدة مشتملة على الرطب ، وعلى الثريد ، وعلى اللحم .
وخصّ الرطب ؛ لكونه المعظم . واللّه أعلم .
( فقال : « يا سلمان ) - ناداه بقوله « يا سلمان » جبرا لخاطره . ولعله صلّى اللّه عليه وسلم علم اسمه بنور النبوة ، أو بإخبار من حضر ، أو أنّه لقيه قبل ذلك وعرف اسمه - ( ما هذا ؟ » ) الذي وضعته بين يديّ ، يعني : أي نوع من الأنواع التي نوّع الشرع الأشياء عليها وقسمها إليها : أهو صدقة ، أم هدية ؟ ! فليس السؤال عن حقيقة المائدة ومفهومها ؛ كما هو المتبادر من التعبير ب « ما » ، لأنها يسأل بها عن الحقيقة ، إذ ليس الغرض من بيان حقائق الأشياء في هذا المقام إلّا ما يدور عليه الاعتبار الشرعي ، والشيء بدونه كأنّه لا حقيقة له .