والأصوات قد انخمدت ، والدّنيا بنور القمر قد أضاءت ، وأنا في غاية الضعف ، فرأيت فارسا مقبلا عليّ فقلت في نفسي انّه يقتلني لأنّه يريد متاعي فلا يجد شيئا عندي فيغضب لذلك فيقتلني ، ولا أقلّ من أن تصيبني منه جراحة .
( 1 ) فلمّا وصل إليّ سلّم عليّ فرددت عليه السلام وطابت منه نفسي ، فقال : ما لك ؟ فأومأت إليه بضعفي ، فقال : عندك ثلاث بطّيخات ، لم لا تأكل منها ؟ فقلت : لا تستهزأني ودعني على حالي ، فقال لي : انظر إلى ورائك ، فنظرت فرأيت شجرة بطّيخ عليها ثلاث بطّيخات كبار ، فقال : سدّ جوعك بواحدة ، وخذ معك اثنتين ، وعليك بهذا الصراط المستقيم ، فامش عليه ، وكل نصف بطّيخة أوّل النهار ، والنصف الآخر عند الزّوال ، واحفظ بطّيخة فانّها تنفعك ، فإذا غربت الشمس ، تصل إلى خيمة سوداء ، يوصلك أهلها إلى القافلة ، وغاب عن بصري .
( 2 ) فقمت إلى تلك البطيخات ، فكسرت واحدة منها فرأيتها في غاية الحلاوة واللّطافة كأنّي ما أكلت مثلها فأكلتها ، وأخذت معي الاثنتين ، ولزمت الطريق ، وجعلت أمشي حتّى طلعت الشمس ، ومضى من طلوعها مقدار ساعة ، فكسرت واحدة منهما وأكلت نصفها وسرت إلى زوال الشّمس ، فأكلت النصف الآخر وأخذت الطريق .
( 3 ) فلمّا قرب الغروب بدت لي تلك الخيمة ، ورآني أهلها فبادروا إليّ وأخذوني بعنف وشدّة ، وذهبوا بي إلى الخيمة كأنّهم زعموني جاسوسا ، وكنت لا أعرف التكلّم الّا بلسان العرب ، ولا يعرفون لساني ، فأتوا بي إلى كبيرهم ، فقال لي بشدّة وغضب : من أين جئت ؟
تصدّقني والّا قتلتك ، فأفهمته بكلّ حيلة شرحا من حالي .
فقال : ايّها السيد الكذاب لا يعبر من الطريق الذي تدّعيه متنفّس الّا تلف أو أكله السّباع ، ثمّ انّك كيف قدرت على تلك المسافة البعيدة في الزّمان الذي تذكره ومن هذا المكان إلى المشهد المقدّس مسيرة ثلاثة أيّام أصدقني والّا قتلتك ، وشهر سيفه في وجهي .
( 4 ) فبدا له البطّيخ من تحت عبائي فقال : ما هذا ؟ فقصصت عليه قصّته ، فقال الحاضرون :
ليس في هذا الصحراء بطّيخ خصوصا هذه البطّيخة التي ما رأينا مثلها أبدا فرجعوا إلى
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع ) — صفحة 760
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص٧٦٠