كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد ( الصادق ) عليه السّلام إذ استأذن آذنه للسيّد ( الحميري ) فأمره بايصاله وأقعد حرمه خلف ستر ودخل فسلّم وجلس ، فاستنشده فأنشده قوله :
امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكية * أأعظما لا زلت من وطفاء ساكبة رويّة
وإذا مررت بقبره فأطل به وقف المطيّة * وابك المطهّر للمطهّر والمطهّرة النقية
كبكاء معولة أتت يوما لواحدها المنيّة
قال : فرأيت دموع جعفر بن محمد تنحدر على خدّيه ، وارتفع الصراخ والبكاء من داره حتى أمره بالامساك فأمسك « 1 » .
( 1 ) يقول المؤلف :
قد مرّ سابقا انّ أبا هارون المكفوف لمّا قرأ المصرع الأول لهذه الأبيات ، بكى الصادق عليه السّلام بحيث سكت أبو هارون فأمره عليه السّلام باتمام القصيدة وهذه المرثية للمرحوم المغفور السيد جعفر الحلّي رحمه اللّه وقد انتخبتها :
وجه الصباح عليّ ليل مظلم * وربيع أيّامي عليّ محرّم
واللّيل يشهد لي بانّي ساهر * إن طاب للنّاس الرّقاد فهوّموا
من قرحة لو انّها بيلملم * نسفت جوانبه وساخ يلملم
ما خلت انّ الدّهر من عاداته * تروى الكلاب به ويظمي الضّيغم
ويقدّم الأمويّ وهو مؤخّر * ويؤخّر العلويّ وهو مقدّم
مثل ابن فاطمة يبيت مشرّدا * ويزيد في لذّاته متنعّم
ويضيّق الدنيا على ابن محمد * حتى تقاذفه الفضاء الأعظم
خرج الحسين من المدينة خائفا * كخروج موسى خائفا يتكتّم
وقد انجلى عن مكّة وهو ابنها * وبه تشرّفت الحطيم وزمزم
لم يدر أين يريح بدن ركابه * فكأنّما المأوى عليه محرّم
هامش
( 1 ) الأغاني ، ج 7 ، ص 260