في منزلي أياما حتى انقطع الناس عنّي وركبت إليه فلقيته خارجا من داره ، فقال : يا منهال لم تأتنا في ولايتنا هذه ولم تهنّئنا بها ولم تشركنا فيها ؟ فأعلمته انّي كنت بمكة وانّي قد جئتك الآن ، وسايرته ونحن نتحدّث حتى أتى الكناس فوقف وقوفا كأنّه ينظر شيئا وقد كان أخبر بمكان حرملة بن كاهل فوجه في طلبه ، فلم يلبث أن جاء القوم يركضون وقوم يشتدّون حتى قالوا : أيّها الأمير البشارة قد أخذ حرملة بن كاهل .
( 1 ) فما لبثنا أن جيء به ، فلما نظر إليه المختار قال لحرملة : الحمد للّه الذي مكّنني منك ، ثم قال :
الجزّار الجزّار ، فأتي بجزار ، فقال له : اقطع يديه ، فقطعتا ، ثم قال له : اقطع رجليه ، فقطعتا ، ثم قال : النار النار ، فأتي بنار وقصب فألقي عليه فاشتعل فيه النار ، فقلت : سبحان اللّه ، فقال لي :
يا منهال انّ التسبيح لحسن ففيم سبّحت ؟ فقلت : أيّها الأمير دخلت في سفرتي هذه ( عند ) منصرفي من مكة على عليّ بن الحسين عليه السّلام فقال لي : يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل الأسدي ؟ فقلت : تركته حيّا بالكوفة ، فرفع يديه جميعا فقال : اللهم أذقه حرّ الحديد ، اللهم أذقه حرّ الحديد ، اللهم أذقه حرّ النار .
( 2 ) فقال لي المختار : أسمعت عليّ بن الحسين عليه السّلام يقول هذا ؟ فقلت : اللّه لقد سمعته يقول هذا ، قال : فنزل من دابته وصلّى ركعتين فأطال السجود ثم قام فركب وقد احترق حرملة وركبت معه .
وسرنا فحاذيت داري ، فقلت : أيّها الأمير ان رأيت أن تشرّفني وتكرمني وتنزل عندي وتحرّم بطعامي « 1 » ، فقال : يا منهال تعلمني انّ عليّ بن الحسين دعا بأربع دعوات فأجابه اللّه على يدي ثم تأمرني أن اكل ؟ هذا يوم صوم شكرا للّه عز وجل على ما فعلته بتوفيقه « 2 » .
هامش
( 1 ) الحرمة ما لا يحل انتهاكه ومنه قولهم : تحرّم بطعامه وذلك لانّ العرب إذا أكل رجل منهم من طعام غيره حصلت بينهما حرمة وذمة يكون كلّ منهما آمنا من أذى صاحبه .
( 2 ) البحار ، ج 45 ، ص 332