تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع ) — صفحة 792

مساهمون:

ص٧٩٢
بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه ، قال : فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة الّا برزن من خدورهنّ مكشوفة شعورهنّ مخمشة وجوههن ضاربات خدودهنّ يدعون بالويل والثبور ، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمرّ على المسلمين منه ، وسمعت جارية تنوح على الحسين عليه السّلام بأبيات ، ثم قالت : ( 1 ) أيّها الناعي جددت حزننا بأبي عبد اللّه عليه السّلام وخدشت منّا قروحا لما تندمل ، فمن أنت رحمك اللّه ؟ فقلت : أنا بشير بن حذلم وجهني مولاي عليّ بن الحسين عليه السّلام وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد اللّه عليه السّلام ونسائه . قال : فتركوني مكاني وبادروني ، فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع ، فنزلت عن فرسي وتخطّيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط ، وكان عليّ بن الحسين عليه السّلام داخلا فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه ، وخلفه خادم معه كرسيّ « 1 » ، فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك عن العبرة ، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء وحنين النسوان والجواري والناس يعزّونه من كل ناحية ، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة ، فأومأ بيده أن أسكتوا فسكنت فورتهم . ( 2 ) فقال : الحمد للّه رب العالمين ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بعد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللّواذع ، وجليل الرّزء ، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة
هامش
( 1 ) لا يخفى انّ اوّل منبر وضع في الاسلام كان في المدينة الطيبة وذلك انّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان يستند إلى جذع نخلة لموعظة الناس وكانوا آنذاك قليلين فلما كثر المسلمون صنع للنبي صلّى اللّه عليه وآله منبر ذو ثلاث مراق فوضع ناحية من المسجد فلما أراد الرسول أن يرتقيه سمع أنين الجذع وسمعه كل من كان بالمسجد فجاء النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى الجذع فاحتضنه وأسكته ثم ارتقى المنبر وقال ثلاث مرّات آمين لدعاء جبرئيل على ثلاث طوائف : دعاؤه على عاق الوالدين والمحروم من غفران اللّه في شهر رمضان والذي يسمع اسم النبي ولم يصلّ عليه ، وكذلك وضع اوّل منبر لإقامة العزاء على سيد الشهداء في المدينة حيث جاء الناس إلى استقبال أهل البيت ، فجاء الخادم بكرسي فجلس عليه عليّ بن الحسين عليه السّلام فأخبر الناس باستشهاد أبيه . ( منه رحمه اللّه )