أقول : ويظهر من هذه الفقرات المنقولة عن ذلك الكتاب السماوي ، التي تشير إلى واقعة الطف ، سرّ سؤال تلك المرأة : « من أيّ الأسارى أنتنّ » ، واللّه العالم .
( 1 ) وروى الشيخ المفيد والشيخ الطوسي عن حذلم بن ستير انّه قال :
قدمت الكوفة في المحرم سنة احدى وستين عند منصرف عليّ بن الحسين عليه السّلام بالنسوة من كربلاء ومعهم الأجناد يحيطون بهم وقد خرج الناس للنظر إليهم ، فلما أقبل بهم على الجمال بغير وطأ ، جعل نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن ، فسمعت عليّ بن الحسين عليهما السّلام وهو يقول بصوت ضئيل وقد نهكته العلة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه :
ألا انّ هؤلاء النسوة يبكين ، فمن قتلنا ؟
( 2 ) قال : ورأيت زينب بنت عليّ عليه السّلام ولم أر خفرة « 1 » قط أنطق منها كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه السّلام ، قال : وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الأصوات « 2 » ، فقالت :
الحمد للّه والصلاة على أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختر والخذل ، فلا رقأت « 3 » العبرة ولا هدأت الرنة ، فما مثلكم الّا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة انكاثا ، تتخذون ايمانكم دخلا بينكم ، الا وهل فيكم الّا الصلف النطف « 4 » والصدر الشنف « 5 » خوارون في اللقاء عاجزون عن الأعداء ، ناكثون للبيعة ، مضيّعون للذمة ، فبئس ما قدمت
هامش
. . . ص 2 إلى 11 ( المترجم )
( 1 ) الخفرة : وهي شدة الحياء .
( 2 ) أي لما رأى الناس أنّ زينب عليها السّلام تريد الكلام وأشارت بالسكوت ، سكتوا كلّهم ووقفوا مكانهم كي يستمعوا إلى ما تقوله ، فلما سكنوا وأصغوا مسامعهم ، سكنت الأجراس طبيعيا وبالتبع ، فما يقوله بعض أهل الخبر والحديث انّ هذا نوع كرامة لزينب عليها السّلام فهو من اجتهاداتهم الخاصة ، بل هي في غنى من ذلك ولا تحتاج إلى ذكر هذه الكرامات . ( منه رحمه اللّه )
( 3 ) رقأ : الدمع .
( 4 ) النطف : اتهم بريبة ، وتلطّخ بعيب .
( 5 ) الشنف : البغض والتنكّر .