الحسن عليه السّلام خروج معاوية إلى العراق صعد المنبر فحمد اللّه واثنى عليه ودعا الناس إلى حربه ، وصدّه عن البلاد .
لكنهم سكتوا جميعا ولم يتكلم منهم أحد ، فقام عديّ بن حاتم من بينهم فقال :
« سبحان اللّه ما أقبح هذا المقام ، ألا تجيبون امامكم وابن بنت نبيكم ! أين خطباء مصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدّعة فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب ، أما تخافون مقت اللّه ولا عنتها وعارها » « 1 » .
( 1 ) فقام جمع آخر وقالوا كمقالته فقال عليه السّلام : ان كنتم صادقين فالموعد ما بيني وبينكم معسكر النخيلة ، فوافوني هناك واللّه ما وفيتم لمن كان خيرا منّي فكيف تفون لي ؟ وكيف أطمئنّ إليكم وأثق بكم ؟
فركب عليه السّلام بعد نزوله عن المنبر وركب معه من أراد الخروج ، وتخلّف عنه خلق كثير ، لم يفوا بما قالوه وبما وعدوه ، وغرّوه كما غرّوا أمير المؤمنين عليه السّلام من قبله ، فقام عليه السّلام خطيبا وقال :
« قد غررتموني كما غررتم من كان قبلي ، مع أي امام تقاتلون بعدي ؟ مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن باللّه ولا برسوله قطّ ولا أظهر الاسلام هو ولا بنو أميّة الا فرقا من السيف » « 2 » .
( 2 ) ثم نزل المنبر ووجّه إلى معاوية قائدا في أربعة آلاف ، وكان من كندة اسمه الحكم ، وامره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره ، فلمّا توجّه إلى الأنبار ونزل بها وعلم معاوية بذلك ، بعث إليه رسلا وكتب إليه معهم : « انّك ان أقبلت إليّ وليتك بعض كور الشام أو الجزيرة غير منفس عليك » وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم فقبض الكندي - الملعون عدوّ اللّه - المال وباع الآخرة بالدنيا وقلب على الحسن عليه السّلام وصار إلى معاوية في مائتي من خاصّته وأهل بيته .
هامش
( 1 ) البحار ، ج 44 ، ص 50
( 2 ) الخرائج ، ج 2 ، ص 574 - عنه في البحار ، ج 44 ، ص 43