بقيت وفري وانحرفت عن العلى * ولقيت أضيافي بوجه عبوس
ان لم أشن على ابن هند غارة * لم تخل يوما من نهاب نفوس
خيلا كأمثال السعال شزّبا * تغدو ببيض في الكريهة شوس
حمى الحديد عليهم فكأنّه * ومضان برق أو شعاع شموس
( 1 ) على أي حال ، فهو مع هذه الجلالة والعظمة وصل إلى مرتبة من حسن الخلق بحيث يهينه سوقي ويستهزأ به فلم يتغيّر أبدا ، ولم يظهر شيئا من أمارات الغضب بل يذهب إلى المسجد فيصلي ويدعوا لذلك الرجل ويستغفر له ، ولو لاحظت جيّدا ترى انّ شجاعته هذه وغلبة هواه أعلى وأرفع من شجاعته البدنيّة ، وقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام :
« أشجع الناس من غلب هواه » .
( 2 )
الثالث والعشرون :
محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ، من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام ومن حواريه بل كان بمنزلة ابنه ، لانّ امّه أسماء بنت عميس كانت في اوّل الامر زوجة جعفر بن أبي طالب رحمه اللّه ، ثم تزوّجها أبو بكر فولدت له محمدا في سفر حجة الوداع ، ثم تزوّجها أمير المؤمنين عليه السّلام فربّى محمد في حجر عليّ عليه السّلام فكان له كالأب ، ولم يعرف غيره حتى قال عليه السّلام : محمد ابني من صلب أبي بكر .
( 3 ) وقد حضر معركة الجمل وصفين وجعله أمير المؤمنين عليه السّلام واليا على مصر بعد حرب صفين وفي سنة ( 38 ) ه ارسل معاوية عمرو بن العاص ومعاوية بن خديج وأبا الأعور السلمي مع جمع آخر إلى مصر ، فاجتمع هؤلاء القوم مع شيعة عثمان واتحدوا على محمد ، فحاربوه فأسر محمد في تلك المعركة التي وقعت بينهم ، وقطع رأسه معاوية بن خديج وهو ظمآن ، ثم جعل في جلد حمار فأحرق وهو ابن ( 28 ) سنة .
( 4 ) قيل انّه لمّا وصل الخبر إلى امّه خرجت قطرات الدم من ثديها من شدّة الألم والغصّة ، وأقسمت عائشة - أخته من أبيه - أن لا تأكل المطبوخ بعده ابدا وكانت تدعو على معاوية