تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرّأ ، فتقدّمني فتقطع يدي ورجلي ولساني ، فقال : واللّه لأكذبنّ صاحبك ، قدّموه واقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه ، فقطعوه ثم حملوه إلى منزلنا ، فقلت له :
يا أبت جعلت فداك هل تجد لما أصابك ألما ؟ قال : لا واللّه يا بنيّة الّا كالزحام بين الناس .
ثم دخل عليه جيرانه ومعارفه يتوجّعون له ، فقال : آتوني بصحيفة ودواة ، فجعل يذكر ويملي عليهم أخبار الملاحم والكائنات ويسندها إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، فبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إليه الحجّام حتى قطع لسانه فمات من ليلته تلك .
( 1 ) وكان أمير المؤمنين عليه السّلام يسمّيه راشد المبتلى ، وكان قد ألقى إليه علم البلايا والمنايا ، فكان يلقى الرجل ويقول له : يا فلان بن فلان تموت ميتة كذا وأنت يا فلان تقتل قتلة كذا فيكون كما قاله رحمه اللّه « 1 » .
( 2 ) روي في كتاب بحار الأنوار عن الاختصاص انّه : لما طلب زياد رشيد الهجري اختفى رشيد ، فجاء ذات يوم إلى أبي أراكة وهو جالس على بابه في جماعة من أصحابه فدخل منزل أبي أراكة ففزع لذلك أبو أراكة وخاف ، فقام فدخل في أثره ، فقال : ويحك قتلتني وأيتمت ولدي وأهلكتهم ، قال : وما ذاك ؟ قال : أنت مطلوب وجئت حتى دخلت داري وقد رآك من كان عندي ، فقال : ما رآني أحد منهم .
قال : وتسخر بي أيضا ؟ فأخذه وشدّه كتافا ثم أدخله بيتا وأغلق عليه بابه ، ثم خرج إلى أصحابه فقال لهم : انّه خيّل إليّ انّ رجلا شيخا قد دخل داري آنفا ، قالوا : ما رأينا أحدا ، فكرّر ذلك عليهم كل ذلك يقولون : ما رأينا أحدا فسكت عنهم .
( 3 ) ثم انّه تخوّف ان يكون قد رآه غيرهم فذهب إلى مجلس زياد ليتجسّس هل يذكرونه فان هم أحسّوا بذلك أخبرهم انّه عنده ودفعه إليهم فسلّم على زياد وقعد عنده ، وكان الذي بينهما لطيف ، فبينا هو كذلك إذ أقبل رشيد على بغلة أبي أراكة مقبلا نحو مجلس زياد ، فلمّا نظر إليه أبو أراكة تغيّر وجهه وأسقط في يده وأيقن بالهلاك ، فنزل رشيد عن البغلة وأقبل إلى زياد
هامش
( 1 ) أمالي الطوسي ، ج 1 ، ص 167 - عنه في البحار ، ج 42 ، ص 121