القرص ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى « 1 » وأكباد حرّى « 2 » .
أأقنع من نفسي بان يقال : هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة « 3 » العيش ، فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها . . . « 4 »
( 1 ) فالمتتبع لخطبه وكلماته عليه السّلام سيعلم علم اليقين كثرة زهده وعدم اعتنائه لزخارف الدنيا .
روى الشيخ المفيد انّه : لما توجّه أمير المؤمنين عليه السّلام إلى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج ، فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه قال ابن عباس : فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له : نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منّا إلى ما تصنع ، فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ثم ضمّها إلى صاحبتها وقال لي : قوّمهما .
فقلت : ليس لهما قيمة ، قال : على ذاك ، قلت كسر درهم ، قال : واللّه لهما أحب إلي من أمركم هذا الّا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا « 5 » .
( 2 ) ومن كلماته لابن عباس التي الجدير بها أن تكتب بالذهب هي قوله : أمّا بعد فانّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها ، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا ، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا ، وليكن همّك فيما بعد الموت « 6 » .
وبالجملة ، مطالعة هذه المواعظ تكفينا للزهد في الدنيا وهي خير معين عليه .
هامش
( 1 ) بطون غرثي : أي جائعة .
( 2 ) أكباد حرّى : مؤنث حران ، أي عطشان .
( 3 ) الجشوبة : الخشونة .
( 4 ) نهج البلاغة ، الكتاب رقم 45 ، إلى عثمان بن حنيف الأنصاري .
( 5 ) الارشاد ، ص 132
( 6 ) نهج البلاغة ، الكتاب رقم 22 .