تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
القرص ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى « 1 » وأكباد حرّى « 2 » . أأقنع من نفسي بان يقال : هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة « 3 » العيش ، فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها . . . « 4 » ( 1 ) فالمتتبع لخطبه وكلماته عليه السّلام سيعلم علم اليقين كثرة زهده وعدم اعتنائه لزخارف الدنيا . روى الشيخ المفيد انّه : لما توجّه أمير المؤمنين عليه السّلام إلى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج ، فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه قال ابن عباس : فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له : نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منّا إلى ما تصنع ، فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ثم ضمّها إلى صاحبتها وقال لي : قوّمهما . فقلت : ليس لهما قيمة ، قال : على ذاك ، قلت كسر درهم ، قال : واللّه لهما أحب إلي من أمركم هذا الّا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا « 5 » . ( 2 ) ومن كلماته لابن عباس التي الجدير بها أن تكتب بالذهب هي قوله : أمّا بعد فانّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها ، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا ، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا ، وليكن همّك فيما بعد الموت « 6 » . وبالجملة ، مطالعة هذه المواعظ تكفينا للزهد في الدنيا وهي خير معين عليه .
هامش
( 1 ) بطون غرثي : أي جائعة . ( 2 ) أكباد حرّى : مؤنث حران ، أي عطشان . ( 3 ) الجشوبة : الخشونة . ( 4 ) نهج البلاغة ، الكتاب رقم 45 ، إلى عثمان بن حنيف الأنصاري . ( 5 ) الارشاد ، ص 132 ( 6 ) نهج البلاغة ، الكتاب رقم 22 .
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع ) — صفحة 294 | الشيخ عباس القمي