فاستشارهم فقال كلُّ ما عنده من الرَّأي ، فدخل يزيد بن قَيْس فقال :
يا أمير المؤمنين نحن على جَهاز وعدّة ، وأكثر النَّاس أهل قوَّة ، ومن ليس به بمضعَّف وليس به علَّة .
فَمُرْ منادِيك فلينادِ النَّاس يخرجوا إلى معسكرهم بالنُّخيلَة ؛ فإنَّ أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النَّؤوم ، ولا مَن إذا أمكنَه الفُرَصُ أجَّلها واستشار فيها ، ولا من يؤخّر الحربَ في اليوم إلى غدٍ وبعد غد . فقال زياد بن النَّضْر : لقد نصح لك يا أمير المؤمنين يزيدُ بن قيس « 1 » .
[ و ] لمَّا توادع عليّ عليه السلام ومعاوية بصفِّين - في شهر محرّم الحرام - اختلفت الرُسل فيما بينهما رجاءَ الصُلح ، فأرسل عليّ بن أبي طالب إلى معاويةَ عَدِيّ بن حاتم ، وشَبَثَ بن رِبْعِيّ ، ويزيد بن قَيس ، وزياد بن خَصَفة ، فدخلوا على معاوية . . . وتكلَّم يزيد بن قَيْس الأرْحَبيّ فقال :
إنَّا لم نأتِك إلّا لنبلِّغك ، ما بُعثنا به إليك ، ولنؤدِّيَ عنك ما سمِعنا منك ، لن ندَعَ أن ننصحَ لك ، وأن نذكرَ ما ظنَنَّا أنّ لنا به عليك حجَّةً ، أو أنَّه راجعٌ بك إلى الأُلفة والجماعة ، إنَّ صاحبَنا لَمَن قد عَرَفتَ وعرف المسلمون فضلَه ، ولا أظنُّه يخفى عليك أنَّ أهل الدِّين والفضل لن يعدلوك بعليّ عليه السلام ، ولن يميِّلُوا « 2 » بينك وبينه .
فاتّق اللَّه يا معاوية ، ولا تخالف عليّا ، فإنَّا واللَّه ، ما رأينا رجلًا قطُّ أعملَ بالتَّقوى ، ولا أزْهَد في الدُّنيا ، ولا أجمَع لخصال الخير كلِّها منه « 3 »
هامش
( 1 ) راجع : وقعة صفِّين : ص 92 - 101 ؛ أنساب الأشراف : ج 3 ص 78 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 3 ص 180 - 179 نحوهما .
( 2 ) التمييلُ بين الشّيئين كالترجيح بينهما ، تقول العرب : إنّي لُاميّل بين ذينك الأمرين ( لسان العرب : ج 11 ص 637 ) .
( 3 ) . وقعة صفِّين : ص 197 ، الغدير : ج 10 ص 427 ، مواقف الشيعة : ج 2 ص 620 ؛ تاريخ الطبري : ج 5 ص 5 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 4 ص 20 .