قَوَّ امِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ » « 1 »
وإنّي أشهد أنّ من تذمّون أحقّ بالفضل ممّن تُطرُون ، ومن تزكّون أحقّ بالذَّمّ ممّن تعيبون . فيقول له المُغِيرَة : يا حُجْر ! ويحك ! اكفف من هذا ، واتّق غضبة السُّلطان وسطوته ؛ فإنّها كثيراً ما تقتل مثلك ، ثمّ يكفّ عنه .
فلم يزل كذلك حتَّى كان المُغِيرَة يوماً في آخر أيّامه يخطب على المنبر ، فنال من عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، ولعنه ، ولعن شيعته ، فوثب حُجْر فنعر نعرةً أسمعت كلّ من كان في المسجد وخارجه . فقال له : إنّك لا تدري أيُّها الإنسان بمن تولع ، أو هرمت ! مر لنا بأعطياتنا وأرزاقنا ؛ فإنّك قد حبستها عنّا ، ولم يكن ذلك لك ولا لمن كان قبلك ، وقد أصبحت مولعاً بذمّ أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين .
فقام معه أكثر من ثلاثين رجلًا يقولون : صدق واللَّه حُجْر ! مر لنا بأعطياتنا ؛ فإنّا لا ننتفع بقولك هذا ، ولا يُجدي علينا . وأكثروا في ذلك .
فنزل المُغِيرَة ودخل القصر ، فاستأذن عليه قومه ، ودخلوا ولاموه في احتماله حجراً ، فقال لهم : إنّي قد قتلته . قال : وكيف ذلك ؟ ! قال : إنّه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيهاً بما ترونه ، فيأخذه عند أوّل وهلة ، فيقتله شرّ قتلة .
إنّه قد اقترب أجلي ، وضعف عملي ، وما احبّ أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم ، وسفك دمائهم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعزّ معاوية في الدُّنيا ، ويذلّ المُغِيرَة في الآخرة ، سيذكرونني لو قد جرّبوا العمّال « 2 »
هامش
( 1 ) النساء : 135 .
( 2 ) . الأغاني : ج 17 ص 137 ، أنساب الأشراف : ج 5 ص 252 ، تاريخ الطبري : ج 5 ص 254 ، الكامل في التاريخ :
ج 2 ص 488 كلّها نحوه .