فأصبح أهلُ الشَّام ، وقَدْ رَفعُوا المَصاحِفَ على رؤوس الرِّماحِ وقلّدوها الخيل ، والنَّاس على الرَّايات قد اشتهوا ما دعوا إليه ، ورُفِعَ مُصحفُ دِمَشقَ الأعظم تَحمِلُهُ عَشرَةُ رِجالٍ على رؤوس الرِّماح ، ونادوا : يا أهلَ العِراقِ ، كتابُ اللَّهِ بَينَنا وبَينكُمْ .
وأقبل أبو الأعْوَر السَّلميّ على بِرذونٍ أبيض ، وقد وضَعَ المُصحَفَ علَى رأسِهِ يُنادي : يا أهلَ العِراقِ ، كتابُ اللَّه بيننَا وبَينكُمْ .
وأقبلَ عَدِيُّ بنُ حاتَم فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كان أهلُ الباطل لا يقومون بأهل الحقّ ، فإنَّه لَم يُصَبْ عُصبةٌ مِنَّا إلَّا وقد أصيب مِثلُها منهم ، وكلٌّ مقروحٌ ، ولكنَّا أمثَلُ بقيةً منهم .
وقد جزِع القوم وليس بعد الجزَع إلَّا ما تحبّ ، فناجز القوم ، فقام الأشْتَر النَّخَعيّ ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنَّ معاوية لا خَلَف له من رجاله ، ولك بحمد اللَّه الخَلف ، ولو كان له مثلُ رجالك لم يكن له مثلُ صبرِك ولا بَصَرك ، فاقرع الحديدَ بالحديد ، واستعن باللَّه الحميد .
ثُمَّ قام عَمْرو بن الحَمِق ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنَّا واللَّه ، ما أجبناك ولا نصرناك عصبيَّةً على الباطل ، ولا أجَبْنا إلَّا اللَّه عز وجل ، ولا طلبنا إلَّا الحقّ ، ولو دعانا غيرُك إلى ما دعوتَ إليه لاستشرى فيه اللَّجاج ، وطالَتْ فيهِ النَّجوى ؛ وقد بلغ الحقُّ مقْطَعَه ، وليس لنا معك رأي .
فقام الأشْعَث بن قَيْس مغضباً ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنَّا لك اليوم على ما كنَّا عليه أمس ، وليس آخر أمرِنا كأوَّله ، وما من القوم أحدٌ أحْنَى على أهل العِراق ولا أوْترَ لأهل الشَّام منِّي ؛ فأجِبِ القومَ إلى كتاب اللَّه ، فإنَّك أحقُّ به منهم ، وقد أحبّ الناس البقاءَ وكرهوا القتال . « 1 »
هامش
( 1 ) . وقعة صفِّين : ص 480 - 482 .