فلمّا وقعت ليلة الهرير وقتل من أشراف الشَّام والعِراق جمع كثير وقتل من سائر النَّاس جمع لا يحصى ولاح علائم الفتح لأهل العِراق وآثار الذُّلّ والهوان والدمار في أهل الشَّام ، فقال عليّ عليه السلام :
اغدُوا عَلَيهِم إن شاءَ اللَّهُ تَعالى اضطرَبَتْ أقدامُهُم ، وسقَطَ في أيديهم .
فشاور معاوية عَمْرو بن العاص ، فأشار عليه برفع المصاحف ، فأمرا أهل الشَّام أن يرفعوا المصاحِفَ علَى الرِّماح ، فرفعوا المصاحِفَ عَلى الرِّماح ، فرفعوها واستقبلوا عساكر أهل العِراق بمصاحفهم ، واستقبلوا عليّا عليه السلام بمائة مُصْحَفٍ ، ووضعوا في كل مجنبة مائتي مصحَف ، وكان جميعاً خمسمائة مصحف ، وهم يقولون :
يا مَعشَر العربِ ، اللَّهَ اللَّهَ في نسائِكم وبناتِكم ، فمن للروم والأتراك وأهل فارس غَداً إذا فنيتم ، اللَّهَ اللَّهَ في دينكم ، هذا كتاب اللَّه بيننا وبينكم . « 1 »
فقال عَمْرو حينما شاوره فأشار عليه بما أشار :
إنَّ رجالك لا يقومون لرجاله ، ولست مثله ، هو يقاتلك على أمر ، وأنت تقاتله على غيره ، أنت تريد البقاء ، وهو يريد الفناء ، وأهل العِراق يخافون منك إن ظفرت بهم ، وأهل الشَّام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم ، ولكن ألق إليْهِم أمراً إن قبلوه اختلفوا ، وإنْ ردُّوه ادعُهم إلى كتاب اللَّه حكماً فيما بينك وبينهم ، فإنَّك بالغٌ به حاجتك في القوم ، فإنِّي لم أزل أؤخِّر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه ، فعرف ذلك معاوية فقال : صدقت . « 2 »
نجح معاوية في احتياله وخدعه ، لا سيَّما مع ما عمله أيادي معاوية في عساكر
هامش
( 1 ) راجع : وقعة صفِّين : ص 478 ، بحار الأنوار : ج 32 ص 530 ح 447 ؛ الأخبار الطوال : ص 189 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 2 ص 212 .
( 2 ) . وقعة صفّين : ص 476 و 477 .