خطبة علي في التَّحكيم
وفي حديث عمر بن سعد ، لمَّا رفع أهل الشَّام المصاحف على الرِّماح يَدعون إلى حُكمِ القرآن ، قال عليٌّ عليه السلام :
« عِبادَ اللَّهِ إنِّي أحقُّ مَن أجابَ إلى كتابِ اللَّهِ ، ولكنَّ معاويةَ ، وعَمْروبنَ العاص ، وابن أبي مُعَيط ، وحَبِيبَ بن مَسْلَمَة ، وابنَ أبي سَرْحٍ ، ليسوا بأصحابِ دينٍ ولا قُرآنٍ ، إنِّي أعْرَفُ بِهِم مِنكُم ، صَحِبْتُهُم أطفالًا ، وصَحِبتُهم رِجالًا ، فكانوا شرَّ أطفالٍ ، وشَرَّ رِجالٍ ، إنَّها كَلِمَةُ حقٍّ يُراد بِها باطِلٌ ، إنَّهم واللَّهِ ، ما رَفَعُوها أنَّهم يَعرِفُونها ويعملون بها ، ولكنَّها الخَديعةُ ، والوَهَنُ ، والمَكِيدَةُ .
أعِيرُوني سواعِدَكُم وجَماجمَكُم ساعَةً واحِدَةً ، فَقدْ بلَغَ الحَقُّ مَقطَعَهُ ، ولَمْ يَبقَ أن يُقطَعَ دابِرُ الَّذِين ظلَموا »
. فجاءَه زُهاءُ عشرين ألفاً مقنَّعين في الحديد شاكِي السِّلاحِ ، سيُوفُهم على عواتقِهِم ، وقد اسودَّتْ جِباهُهُم مِنَ السُّجودِ ، يتقدَّمهم مِسْعَرُ بن فَدَكيّ ، وزَيْد بن حُصَيْن ، وعصابةٌ من القرّاء الَّذِين صاروا خوارج من بعدُ ، فنادَوه باسمه لا بإمرةِ المؤمنين : يا عليّ ، أجبِ القومَ إلى كتاب اللَّه إذْ دُعيت إليه ، وإلَّا قتلناك ، كما قتَلْنا ابنَ عفَّان ، فو اللَّهِ ، لَنَفعَلنَّها إنْ لم تُجِبهم .
فقال لهم :
« ويْحَكُم ، أنا أوَّلُ مَن دَعا إلى كتابِ اللَّهِ ، وأوَّلُ مَن أجابَ إليهِ ، وليسَ يَحِلُّ لِي ، ولا يَسعُنِي في ديني أن أُدعَى إلى كتابِ اللَّهِ فَلا أَقبلُه ، إنِّي إنَّما أقاتِلُهم ليَدِينوا بِحُكْمِ القُرآنِ ، فإنَّهُم قد عَصَوا اللَّهَ فِيما أمرَهُم ، ونَقَضُوا عَهْدَه ، ونَبَذُوا كِتابَهُ ، ولَكنِّي قَد أعلَمْتُكُم أنَّهُم قَد كادُوكُم ، وأنَّهم لَيسوا العَمَلَ بِالقُرآنِ يُرِيدُونَ »
. قالوا : فابعث إلى الأشْتَر ليأتيك ، وقد كان الأشْتَر صبيحة ليل الهرير قد أشرف على عَسْكَرِ مُعاوِيةَ لِيَدْخُلَهُ . « 1 »
هامش
( 1 ) . وقعة صفِّين : ص 489 - 490 وراجع : بحار الأنوار : ج 32 ص 532 ؛ تاريخ الطبري : ج 5 ص 48 ، الكامل في التاريخ : ج 2 ص 386 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 2 ص 216 ، مروج الذهب : ج 2 ص 401 .