فقال ابن الكَوَّاء : لولا أنَّك عزمت علينا ، ما قلنا ، لأنَّك جبَّارٌ عنيد ، لا تراقب اللَّه في قتل الأخيار ، ولكنَّا نقول : إنَّك ما علمنا واسِعُ الدُّنيا ، ضيِّق الآخرة ، قريب الثّرى ، بعيد المَرْعَى ، تجعلُ الظُّلماتِ نوراً ، والنُّورَ ظُلُماتٍ ، فقال معاوية : إنَّ اللَّه أكرم هذا الأمر بأهل الشَّام الذَّابِّينَ عن بَيْضته ، التَّاركين لمحارمه ، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق . . . .
ثُمَّ تكلَّم صَعْصَعَة فقال : تكلَّمتَ يا بنَ أبي سُفْيَانَ فأبلَغتَ ، ولم تَقصُر عمَّا أردتَ ، وليس الأمرُ على ما ذكرت ، أنَّى يكونُ الخليفةُ مَن مَلَكَ النَّاسَ قهراً ، ودَانَهم كِبراً ، واستولى بأسبابِ الباطلِ كَذِباً ومَكراً ؟ أما واللَّهِ ، ما لَكَ في يَومِ بَدرٍ مضرب ولا مَرمى ، ومَا كُنتَ فيه إلّا كما قال القائل : « لا حلِّي ولا سيري » ، ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنَّفير ممَّن أجْلَبَ على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وإنَّما أنتَ طليقٌ ابن طَلِيقٍ ، أطلقكما رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ، فأنَّى تَصلُحُ الخِلافَةُ لِطَليقٍ ؟
فقال معاوية : لولا أنّي أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول :
قابَلتُ جَهلَهُمُ حِلماً ومَغفِرَةً * والعفو عَن قُدرَةٍ ضَرْبٌ مِنَ الكَرَمِ « 1 »
قال الأحمدي عفى اللَّه عنه : ولِصَعْصَعَةَ مَواقفُ ساعية مع معاوية في خلافة عثمان ، حينما نُفي إلى الشَّام ، وفي خلافة عليّ عليه السلام حينما أرسله مع الكتاب للاحتجاج ، أو أرسله في صفِّين حين منع معاوية الماء ، وبعد شهادة أمير المؤمنين ، بعد دخول عليه السلام معاوية الكوفة ، وحينما قَدِمَ وفْدُ العِراق إلى الشَّام « 2 »
هامش
( 1 ) . مروج الذَّهب : ج 3 ص 50 ؛ الغدير : ج 10 ص 175 .
( 2 ) . راجع : الأمالي للطوسي : ص 5 ح 4 ، رجال الكشّي : ج 1 ص 69 ، الغارات : ج 2 ص 888 ( التعليقة 60 ) ، الاختصاص : ص 64 - 65 ، وقعة صفين : ص 160 - 161 ، الغدير : ج 10 ص 48 - 247 - 248 ، أعيان الشيعة :
ج 7 ص 388 ، قاموس الرجال : ج 5 ص 494 ، بحار الأنوار : ج 44 ص 123 ح 14 وص 132 ح 21 وج 33 ص 244 ح 521 ؛ مروج الذَّهب : ج 3 ص 51 - 52 ، تاريخ الطبري : ج 4 ص 571 - 572 ، الإصابة : ج 3 ص 373 ، البيان والتبيين : ج 1 ص 133 وج 2 ص 181 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 2 ص 130 - 132 وج 3 ص 318 - 319 .