ذلك لأنّ نَفَس هذا الجواب مغايرٌ تماماً لنَفَس ابن عباس في مواقفه قبال بني أميّة .
هاهو ابن عباس ( رض ) في بلاط معاوية يُخرس محاوريه : معاوية ، وعمرو بن العاص ، ومروان بن الحكم ، وعتبة بن أبي سفيان ، وزياد بن سميّة ، وعبد الرحمن بن أمّ الحكم ، والمغيرة بن شعبة ، بعد أن دحض إدّعاءاتهم وبهرهم بالحجّة الدامغة ، ويقول ليزيد بن معاوية نفسه في قصر أبيه : « مهلًا يزيد ، فواللّه ما صفت القلوب لكم منذ تكدّرت بالعداوة عليكم ، ولا دنت بالمحبّة إليكم مذ نأت بالبغضاء عنكم ، لارضيت اليوم منكم ما سخطت بالأمسِ من أفعالكم ، وإن تَدُلِ الأيّام نستقض ما سُدَّ عنّا ، ونسترجع ما ابتُزَّ منّا ، كيلًا بكيل ، ووزناً بوزن ، وإن تكن الأخرى فكفى بالله وليّاً لنا ، ووكيلًا على المعتدين علينا . » . « 1 »
وها هو ابن عباس ( رض ) يجيب يزيد « 2 » بقارعة أخرى من قوارعه في رسالة كتبها إليه قائلًا : « من عبد الله بن عباس إلى يزيد بن معاوية . أمّا بعدُ : فقد بلغني كتابُك بذكر دعاء ابن الزبير إيّاي إلى نفسه وامتناعي عليه في الذي دعاني إليه من
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، 6 : 302 .
( 2 ) « أخذ ابن الزبير عبد الله بن عباس بالبيعة له ، فامتنع عليه ، فبلغ يزيد بن معاوية أنّ عبد الله بنعباس قد امتنع على ابن الزبير ، فسرّه ذلك ، وكتب إلى ابن عباس : أمّا بعدُ ، فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته ، وعرض عليك الدخول في طاعته لتكون على الباطل ظهيراً وفي المأثم شريكاً ، وأنّك امتنعت عليه ، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا ، وطاعة للّه فيما عرّفك من حقّنا ، فجزاك الله من ذي رحم بأحسن ما يجزي به الواصلين لأرحامهم ، فإني ما أنسَ من الأشياء فلستُ بناسٍ برّك وحسن جزائك وتعجيل صلتك بالذي أنت منّي أهله في الشرف والطاعة والقرابة بالرسول ، وانظر رحمك الله فيمن قِبَلَك من قومك ، ومن يطرؤ عليك من الآفاق ممّن يسحره المُلحدُ بلسانه وزخرف قوله ، فأعلِمهم حسن رأيك في طاعتي والتمسّك ببيعتي ، فإنهم لك أطوع ومنك أسمع منهم للمُحلّ المُلحد ، والسلام . فكتب اليه عبد الله بن عباس . . . » . ( تأريخ اليعقوبي ، 2 : 247 - 248 ) .