هذه الحقيقة لابدّ من استحضارها وعدم الغفلة عنها في قراءتنا لمحاوراته عليه السلام حتّى نفهم سرّ التفاوت الظاهري في إجاباته وردوده عليه السلام .
تحرّك عبد الله بن عبّاس
سجّل لنا التأريخ أكثر من محاورة تمّت بين الإمام عليه السلام وبين عبد الله بن عبّاس ، وقد كشفت هذه المحاورات في مجموعها عن أنّ ابن عبّاس ( رض ) كان قد تحرّك في حدود السعي لمنع الإمام عليه السلام من الخروج إلى العراق - لا من القيام والثورة على الحكم الأمويّ - ، وكانت حجّته في اعتراضه على خروج الإمام عليه السلام إلى الكوفة أنّ على أهل الكوفة - قبل أن يتوجّه إليهم الإمام عليه السلام - أن يتحرّكوا عملياً لتهيئة الأمور وتمهيدها للإمام عليه السلام ، كأن يطردوا أميرهم الأمويّ أو يقتلوه ، وينفوا جميع أعدائهم من الأمويين وعملائهم وجواسيسهم في الكوفة ، ويضبطوا إدارة بلادهم ، وآنئذٍ يكون من الرشاد والسداد أن يتوجّه إليهم الإمام عليه السلام ، وإلّا فإنّ خروج الإمام عليه السلام إليهم - وهم لم يحرّكوا ساكناً بعدُ - مخاطرة لا تكون نتيجتها إلّا القتل والبلوى ، ومما قاله ابن عبّاس للإمام عليه السلام في صدد هذه النقطة :
« أخبرني رحمك الله ، أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم ، وضبطوا بلادهم ، ونفوا عدوّهم ! ؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فَسِرْ إليهم ، وإن كانوا إنّما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم ، وعمّاله تجبي بلادهم ، فإنّما دعوك إلى الحرب والقتال ، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذّبوك ويخالفوك ويخذلوك ، وأن يُستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك ! . » . « 1 »
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري ، 3 : 294 .