وصحيح أنّه ( ع ) كان قد خرج من المدينة خشية الاغتيال خوفا على نفسه الشريفة ، وخوفا من أن تهتك حرمة حرم رسول اللّه ( ص ) بقتله غيلة أو في مواجهة مسلّحة ، لكنّ الصحيح في العمق أيضا أنّ هذا الخوف كان يقع ضمن إطار خوفٍ أكبر ، وهو خوفه ( ع ) من أن تخنق ثورته المقدّسة قبل اشتعالها بقتله غيلة في المدينة في ظروف زمانيّة ومكانيّة وملابسات مفتعلة يقوم بإ عدادها وإخراجها الامويّون أنفسهم ، يستطيعون من خلالها الاستفادة حتّى من حادثة قتله لصالحهم إعلاميا فتبقى ماءساة الاسلام على ما هي عليه ، بل تترسّخ المصيبة وتشتدّ ! !
كان الإمام ( ع ) حريصا على أن يتحقّق مصرعه الذي كان لابدّ منه ما لم يبايع في ظروف زمانيّة ومكانيّة يختارها هو ( ع ) ، لايتمكّن العدوّ فيها أن يعتمّ على مصرعه ، أو أن يستفيد من واقعة قتله لصالحه ، فتختنق الأهداف المنشودة من وراء هذا المصرع الذي أراد منه ( ع ) أن تهتزّ أعماق وجدان الامّة لتتحرّك بالا تّجاه الصحيح الذي أراده ( ع ) لها .
فكان خروجه ( ع ) من المدينة وكذلك من مكّة في الأصل انفلاتا بالثورة المقدّسة من طوق الحصار والتعتيم الامويّ ، إضافة إلى خوفه ( ع ) من أن تهتك حرمة أحد الحرمين الشريفين بقتله .
الليلة أو الليلتان الأخيرتان في المدينة :
لنعد إلى مجرى أحداث القصّة في المدينة المنوّرة بعد لقاء الإمام الحسين ( ع ) بوالي المدينة الوليد بن عتبة ، ذلك اللقاء الذي أعلن ( ع ) فيه رفضه للبيعة ، كما أعلن فيه أنّه أحقّ الناس بالخلافة .