كلامي ، وإني لا أعرف شيئا غير العنقاء ، وهي أمي التي ربّتنى وتسمينى بنتها ، فقال لها الغلام : وأين العنقاء أمك ؟ قالت : في نوبتها . قال : وما نوبتها ؟
قالت : تغدو كل يوم إلى ملكها سليمان فتسلّم عليه وتقيم عنده إلى الليل ، ثم تروح وتجيئنى وتحدّثنى بما فعل سليمان وبما حكم وقضى ، وإنه لملك عظيم ، على ما تصف أمي العنقاء ، وإنها تخبرني أنه يشبهني إلا أنها تخبر أنه أحسن وجها وأتمّ منى .
قال : فانذعر الغلام وفزع ، ثم قال : قد عرفته ، هو الذي قتل أبى وسبى ذرّيته ، وإني لمن طلقائه وممن يؤدّى إليه الخراج ، ورسله الطير والرياح ، ثم بكى الغلام . فقالت الجارية : وما يبكيك ؟ قال : أبكى على وحدتك في مثل هذا الموضع الذي ليس به أنيس ولا أحد ، وإن مثلك في الدنيا عدد الشجر والمدر ، وكلهم في مقاصير الذهب والفضة والعيش الهنيء واللّذة الحسنة مع الأزواج يتعانقون ويتنعمون ، ويتوالدون أولادا مثل خلقتك وخلقتى ، أرأيت إن هاجت الريح وأزعجتك من وكرك من يمسكك أن تقعى في البحر ؛ فإن وقعت في البحر فمن ذا الذي يخرجك .
قال : ففرعت من قوله وقالت : وكيف لي أن يكون معي إنسىّ مثلك يحدّثنى مثل حديثك ، ويحفظني من خوف ما ذكرت . فقال لها الغلام : أولا تعلمين أن اللّه الذي اتخذ سليمان نبيّا وسخّر له الطير والرياح هو الذي رحمك وساقنى إليك إلفا وصاحبا وأنيسا ، وأنى من أبناء الملوك ، قالت الجارية : وكيف تصير إلىّ وأصير إليك ، وهذه العنقاء تنام وتحضننى إلى صدرها بين جناحيها ؟ قال الغلام : تكثرين جزعك ووحشتك وبكاءك على العنقاء ليلتك هذه إذا انصرفت إليك .
فإذا قالت لك : تخشين وما شأنك ، فأخبريها بحديثك ، ثم انظرى إلى
مسند الإمام الصادق ( ع ) — صفحة 329
مساهمون: الشيخ عزيز الله عطاردي
ص٣٢٩