يخرج من مكة إلى غار حراء بقصد العبادة ويستقبل بوجهه القبلة القدسية ، إلى أن أتاه فيه صريح الحقّ من الملك العلّام ، فجاءه الأمين جبريل بالرسالة فقال له : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ . فغطّه ثم أرسله فقال له : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ ، إذ لا يعرف هذه الكيفيّة ، فغطّه ثم أرسله فقال له :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 )
[ العلق : الآيات 1 - 5 ] جلّ من أنزل هذا الكلام . فرجع صلى اللّه عليه وسلم إلى خديجة وفؤاده يرتجف من المهابة الرّوعيّة ، وقال : زمّلوني زمّلوني ، ليذهب عنه ما به من الأوهام . ثم غاب الوحي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أنزل اللّه عزّ وجل :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ( 7 )
[ المدّثر : الآيات 1 - 7 ] فتلقّاها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من جبريل وبأعباء الرّسالة قام .
تأمّل حراء في جمال محيّاه * فكم من أناس من حلى حسنه تاهوا
فمما حوى من جا لعلياه زائرا * يفرّج عنه الهمّ في حال مرقاه
به خلوة الهادي الشّفيع محمّد * وفيه له غار له كان يرقاه
وقبلته للقدس كانت بغاره * وفيه أتاه الوحي في حال صبراه
وفيه تجلّى الرّوح بالموقف الذي * به اللّه في وقت البداءة سوّاه
وتحت تخوم الأرض في السّبع أصله * ومن بعد هذا اهتزّ بالسّفل أعلاه
ولما تجلّى اللّه قدّس ذكره * لطور تشظّى فهو إحدى شظاياه
ومنها ثبير ثم ثور بمكّة * كذا قد أتى في نقل تاريخ مبدأه
وفي طيبة أيضا ثلاث فعدّها * فعيرا وورقانا وأحدا رويناه
ويقبل فيه ساعة الطّهر من دعا * به وينادى من دعانا أجبناه
وفي أحد الأقوال في عقبة حرا * أتى ثمّ قابيل لهابيل غشّاه
ومما حوى سرّا حوته صخوره * من التّبر إكسيرا يقام سمعناه
سمعت بها تسبيحها غير مرّة * وأسمعته جمعا فقالوا سمعناه
به مركز النّور الإلهي مثبتا * فللّه ما أحلى مقاما بأعلاه
فيا ربّ بالغفران عجّل وكن لنا * رحيما وتب وامحو جنى ما ارتكبناه
وهب للمناوي ما تمنّاه سيّدي * فأنت الذي للعبد تستر خطاياه
وأول من آمن به من الرجال أبو بكر صاحب الخلافة الأوّلية ، فهو أول من ذاق حلاوة الإيمان وارتشف زلال الإسلام ، وأول من آمن به من النّساء السيّدة خديجة الكريمة السّخية ، وهي التي أنفقت عليه مالها وعرضت عليه نفسها بالتّزويج لما سمعت