وجاء به فلما رآه داخلا نهض له قائما على الأقدام وقال : أشهد أن هذا الذي يفتح اللّه ببركته مصر والشام والمدائن العراقيّة ، أشهد أنّ هذا رسول ربّ العالمين وخير الأنام ، أشهد أن هذا الذي دلّت الكتب القديمة على أوصافه السّنيّة ، وبين كتفيه خاتم النبوّة قد غمره اللّه تعالى بالأنوار العظام ثم قال لعمّه : ارجع به إلى مكة حذرا عليه من أهل الملّة اليهودية . فامتثل أبو طالب أمر الراهب ونوى الرجوع إلى مكة ولوى نحوها الزّمام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
وقد اشتهر صلى اللّه عليه وسلم بالأمين لأمانته الصّدقيّة ، فسمعت خديجة بذلك فبعثت إليه خادما من الخدّام فلما حضر إليه أعطته مالها للتجارة وطلبت منه السفر إلى البلاد الشاميّة ، فخرج صلى اللّه عليه وسلم مسافرا مع ميسرة الغلام ، وأوصت خديجة ميسرة عليه وبالغت في الوصيّة ، وأمرته أن يكون قائما بخدمته حق القيام . ونزل صلى اللّه عليه وسلم تحت شجرة ليستظلّ بها فأظلّته وأرخت عليه أغصانها الوارفيّة ، فرآه راهب من صومعته فعرفه لما مالت نحوه الشجرة وأظلّه في الهجير الغمام ، فسأل ميسرة عن أوصاف فيه ، فأجاب بها وهي أوصاف نبويّة ، فقال له : هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تفارقه في غدوّه ورواحه واليقظة والمنام ، هذا الذي ينزل عليه الوحي بالآيات الإلهيّة ، وينشر اللّه ذكره بين عباده وترتسم محبّته في قلوب أحبابه أيّ ارتسام . ثم سار صلى اللّه عليه وسلم مسافرا حتى دخل سوق المدينة البصروية ، فقضى تجارته فيها وأخذ في الرّجوع إلى مكة المشرّفة ببيت اللّه الحرام . ولما أشرف على أماكن مكة أضاءت بأنواره شوارعها وأماكنها البهيّة ، فرأته خديجة مقبلا وبين يديه للهداية أعلام ثم رأت ملائكة قد أظلّته من حرّ الشمس في الأوقات الهجيريّة ، فهاج قلبها بمحبّته وأقلقها شديد الوجد وفرط الغرام ، فقالت لميسرة : ما رأيت منه في مساعيكما السّفريّة ، فقال لها : يا سيدتي رأيت الأشجار سجدت والأحجار سلّمت وأظلّه في أوقات القيظ الغمام وأوصاني راهب من صومعته بعدم مفارقته في اللحظات الليليّة والنهاريّة ، وأن أكون قائما بخدمته وأتمّ لها ما أودعه الراهب إليه حق إتمام فربحت تجارتها ونمت وظهرت فيها البركات الربّانية ، ورغبت في نكاحه لما عاينت وسمعت في شأنه من ميسرة طيّب الكلام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
ثم عرضت نفسها عليه بالتّزويج لتنال من مواهبه اللدنيّة وتلتمس من بركاته ما يكون