ما اشتهر في حقّه عند قريش ورأت من الأمارات النبويّة ، والأمانة وصدق الكلام ، وأول من آمن به من الصّبيان عليّ صاحب القوّة العليّة ، وهو الذي يدعى من بين الخلفاء الرّاشدين بالإمام ، وأول من آمن به من الموالي زيد ومن الأرقّاء بلال مولى الحضرة الصّدّيقيّة ، وهو الذي كان يؤذّن للصلاة إذا حضر وقتها ثم يشرع في المعقّبات بعد السلام ، ثم أسلم عثمان وغيره وصار الناس يدخلون في دين اللّه فئة بعد فئة هداية ربّانية ، حتى كثر سواده وتزايدت الأقوام ، ثم كمل اللّه له أعلى المراتب وجمّله بأجمل المواهب اللّدنيّة ، وبرّأه من كل عيب وأرهب به أعداءه وأيّده بجنوده وأنزل عليه سكينته وكساه جلابيب الاعتصام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
وكان صلى اللّه عليه وسلم يخفي عبادة ربّه ومن معه من الجماعة الصحابية حتى أنزل اللّه عليه :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : الآية 94 ] فجهر بما أمر به من تبليغ الأحكام ، فكان يدور على الناس في منازلهم ويقول : يا أيها الناس إن اللّه يدعوكم أن تعبدوه ولا تشركوا معه أحدا في الألوهية ، وأبو لهب وراءه يقول : يا أيها الناس إنّ هذا يدعوكم أن تتركوا دين آبائكم وأجدادكم وتذروا عبادة الأصنام . وكانوا يترقّبونه إذا جاء لصلاته فيضحكون عليه ويستسخرون به لسوء سرائرهم القبيحة ، فنهاهم أبو بكر عن ذلك فلم ينتهوا لما حلّ باذانهم وأبصارهم وبصائرهم من الصّمم والعمى ، فبئس القوم اللّئام ، ورماه الوليد بن المغيرة هو ومن معه بالمقالات الباطلة الزّوريّة ، ووصفوه بالشّعر والكهانة والجنون حيث لم ينظروا في العواقب ولم يخشوا الملام . ولما جاء صلى اللّه عليه وسلم للصّلاة قام عقبة بن أبي معيط فلفّ ثوبه على رقبته وخنقه خنقا شديدا ، فأدركه أبو بكر بهمّته العزميّة ، فأخذ بمنكب الكافر ودفعه عن رسول اللّه عليه الصلاة والسلام وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه كما قال مؤمن العصابة الفرعونية ، فرضي اللّه تبارك وتعالى عن أبي بكر وأرضاه وجازاه بالمهابة والقبول والاحترام . ثم قال أبو جهل لمن حوله : أتزعمون أن محمّدا يأتي الكعبة ويعفّر بترابها جبهته يا ذوي الحميّة ، فأجابوه بنعم فقال : لو رأيته لاذيته وأسقيته شراب الحمام . فلمّا جاء صلى اللّه عليه وسلم الكعبة قام أبو جهل ليقضي منه ما أضمره له في بواطنه الخبيثيّة ، فرأى حوله خندقا من نار واحتجب عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأجنحة الملائكة الكرام ، فرجع أبو جهل خائبا خاسرا وأخبر قومه بما رآه مشاهدة عينيّة ، ولكن أعمى اللّه البصائر فراغت عن الحق القلوب وغابت الأفهام ، وما زال في بغيه وعناده ومكائده السّوئيّة إلى أن أورد اللّه روحه نارا ذات عذاب شديد وانتقام ، وعاش صلى اللّه عليه وسلم آمنا مطمئنا في أعلى