سببا للفوز بدار المقام ، فظهر أمرها بين السادة القرشية فقالوا : كيف ترضاه لنفسها وهو فقير مع أنه أسعد العرب والأعجام ، وقد خطبها قبل ذلك أكابر مكة فلم ترض لسابق سعادتها الأزليّة وقد رضيت به صلى اللّه عليه وسلم أن يكون لها زوجا . فيا نعم الرضى ويا شرف الرّاضية في الأبد على الدّوام . ثم أخبر صلى اللّه عليه وسلم أعمامه بما دعته إليه الكريمة النّقيّة ، فرغب في ذلك الحمزة والعباس وفرح فرحا شديدا سائر الأعمام ، فجمع أبو طالب رؤساء الحرم ودخلوا على أبيها خويلد فخطبها إليه وخطب لهم خطبة سنيّة ، تدلّ على شرف أصولهم ورفعة مقدارهم الذي لا يسام . ثم مدح ابن أخيه محمدا بالعزّ الأفخر والحظ الأوفر والخصال المحمودة العليّة ، وأطال المدح فيه بالأقوال العظام ، ولا يخفاك أيّها السامع أن أوصافه صلى اللّه عليه وسلم لا تحصرها العقول ولا الإدراكات الفهميّة ، فلو كانت الأشجار أقلاما والبحار مدادا وأهل السّماوات والأرضين كتّابا ما بلغوا من بعض صفاته إلا كخيال النّجم في الماء في دجى الظلام . فزوّجها صلى اللّه عليه وسلم فيا لها من زوجيّة ، ورزق منها بفاطمة وزينب ورقيّة وأمّ كلثوم وعبد اللّه والقاسم الملقّب بالألقاب العظام ، ثم رزقه اللّه بولد آخر من مارية القبطيّة فسمّاه المصطفى صلى اللّه عليه وسلم باسم أبيه إبراهيم خليل الملك العلّام ، وهؤلاء السبعة يجب على المكلّف معرفتهم كما تجب معرفة أجداده النّسبيّة ، فيا سعادة من عرفهم لأن معرفتهم من جملة شرائع الإسلام ، وسنذكر نسبه إن شاء اللّه تعالى بعد هذا الباب تبرّكا بدرر جواهره النّقيّة ، فإنه نسب شريف طاهر نظمت درره وجواهره في أحسن سلك أجلّ انتظام ، وكان عمره صلى اللّه عليه وسلم حين تزوّج بخديجة خمسا وعشرين سنة هلاليّة ، وسنّها أربعين بعد خمس كما في نصوص الأفاضل الفخام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
وأما نسبه صلى اللّه عليه وسلم فهو سلسلة ذهبية ، جاءت بتوفيق اللّه تعالى في غاية الانتظام ، فهو سيّدنا محمد بن عبد اللّه الملقّب بالذّبيح كما وقع للحضرة الإسماعيلية ، ابن عبد المطلب بن هاشم لكثرة نحره الإبل وهشمها للأقوام ، ابن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب ذي الهمّة والشجاعة القويّة ، ابن مرّة بن كعب بن لؤيّ البطل الهمام ، ابن غالب بن فهر وهو قريش وإليه تنسب القبائل القرشية ، ابن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة الذي كان للعدى أقوى خزّام « 1 » ، ابن مدركة بن إلياس وكانت تسمع من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في صلبه أذكاره التّسبيحيّة ، وهو أول من أهدى هداياه للبيت الحرام ، ابن مضر بن نزار بن معدّ بن
هامش
( 1 ) خزم الشيء يخزمه خزما : شكّه . ( لسان العرب ) .