إذ من ألست قد أوعدت * برضاع أحمد خيرنا
واللّه شرّف قدره * فينا وأعلن فخره
يا صاح كرّر ذكره * فهواي أجمعه هنا
إن رمت سعدا لذبه * فالسّعد عزّ جنابه
يا ربّ أسعدنا به * يوم الحساب بجمعنا
يا عالما بخفيّتي * يا راحما لشكيّتي
يا سامعا لمقالتي * بالصّالحات اختم لنا
فأنا المناوي خاضع * في بحر جودك طامع
يا من لقولي سامع * يا ربّ آمن خوفنا
ولمّا بلغ صلى اللّه عليه وسلم من العمر أربع سنين ، خرجت به أمه لزيارة أخواله في المدينة اليثربيّة ، فأقامت عندهم جملة أيام ثم انصرفت به راجعة إلى مكّة ، فأدركتها في الطريق ركبان المنيّة ، فنقلت إلى رحمة اللّه التي وسعت كل شيء من خاص وعام ، وبكت الجنّ يوم وفاتها حتى سمعت الإنس أصواتها الحزينة واشتدّ بكاء الإنس عليها حتى ذابت القلوب والأجسام ، ودفنت رضي اللّه تعالى عنها بالأبواء أو بالمقابر الحجونيّة ، وقبرها معروف يزار إلى الآن عليه المهابة والقبول والرّضوان والأنوار العظام . فاحتملت به صلى اللّه عليه وسلم أمّ أيمن بركة الحبشيّة ، وأدخلته على جدّه عبد المطلب ، فلما رآه بادر له مسرعا بالقيام ، فأخبرته بوفاة أمّه فضمّه إلى صدره وأخذه عليه أعظم شفقة والديّة وجعله في كفالته إلى أن بلغ من العمر ثمانية أعوام . ولما انفضت من جدّه عبد المطلب أيام عمره الدّنيويّة ونزل به ريب المنون وتولّى أمره الملك العلّام ، تكفّل بتربيته عمّه أبو طالب شقيق أبيه عبد اللّه أرحاما وصلبيّة ، وذلك بوصيّة من جدّه عبد المطلب قبل أن ينزل به ركب الحمام . فجعله في حيّه وربّاه أحسن التّربية ، إلى أن بلغ من العمر عشر سنين وبعد عامين توجّه به مسافرا إلى الشّام ، فرآه بحيرا الرّاهب فعرفه بالعلامات النّبويّة التي يعجز عن وصفها كل حبر خبير من ذوي الأفهام ، فرأى الأشجار سجدت والأحجار سلّمت وغمامة بيضاء قد أظلّته في الأوقات الهجيريّة ، فدعاه لضيافته وإكرام من معه من الأقوام ، ثم وقف لتفقّد الدّاخلين فلم يجد فيهم من له العلامات المعلومية ، فقال : هل بقي أحد منكم يا ذوي الأحلام ، فقالوا : بقي غلام يتيم تركناه للحراسة عند أمتعتنا الأحمالية ، فقال : لا تتم ضيافتنا إلّا بوجوده يا ذوي الإكرام . ثم خرج إليه وقبّل الأرض بين يديه وقال له : يا حبيبي اذهب بنا إلى أماكن ديرنا المبنيّة ، فلا تتمّ ضيافتنا إلّا بوجودك يا خير الأنام ، ويقال : لما دخل صلى اللّه عليه وسلم اخضرّت الشجرة بدير الرّاهب وصح أنه ارتفع الباب لئلا تنحني قامته الطويلة الحسنيّة ، وقيل : خرج إليه رجل منهم واحتضنه