وحوش كثيرة كاسريّة ، فخرج علينا سبع عظيم فلما رآه خضع له وحول جنابه الرّفيع حام ، وانكسرت شاة فذهبت تعدو إليه كأنها تشكو له ما أصابها من الوجع والبليّة ، فوضع يده صلى اللّه عليه وسلم على كسرها فانجبر كأن لم يكن بها شيء من الآلام فلما سمع أبوه أخباره العليّة ، قال : يا حليمة أنا لهذا المولود من جملة الخدّام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
وما زال صلى اللّه عليه وسلم يخرج مع إخوته إلى المراعي كعادته الأصليّة ، وهم يرون له في كل يوم من الآيات ما لا تحيط به عقول ولا تدركه أفهام ، فجاءه ذات يوم من السماء ملكان عليهما ثياب بيض نقيّة ، بوجوه كالأقمار متخلّقين بالأخلاق العظام ، فأضجعاه على الجبل وشقّا صدره وأزالا منه الحظوظ الشيطانيّة ، وملاه من العلم واليقين والإيمان والإسلام ، ثم شقّا قلبه وأخرجاه وغسلاه بالثلج حتى صار جوهرة نقيّة ، ثم ردّاه إلى مكانه وختما عليه بختام ، ثم وزناه فعدل جميع الخلائق الخيريّة ، ثم قبّلاه بين عينيه وقيل في رأسه وقالا له : ما عليك من خوف بعد هذا يا باب الرّضى والإكرام . فلما رأى أخوه من الرّضاعة ما حلّ به ذهب يعدو إلى أمّه قائلا لها : قتل أخونا المنسوب إلى السّادة القرشية . فخرجت حليمة مسرعة ومعها جملة من الأقوام فلما وصلت إليه رأته فوق صخرة وعلامة القبول على وجهه ظاهرة جليّة ، فضمّته وقالت له : يا حبيبي ما الذي أصابك ، فحدّثها بما فعلته به الملائكة الكرام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
فلما سمع أبوه من الرّضاعة منه مقالته المحكيّة ، أخذه من أجله شدائد الاغتمام ، وقال لزوجته : اذهبي به إلى ديارنا الوطنية ، قالت حليمة : فحملناه وجئنا به نحو الخيام ، فلما رآه الناس قالوا : أصابه لمم فاذهبوا به إلى كاهن يداويه بحكمته الحقيقية . فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نفسي سليمة وفؤادي صحيح ليس به سقام . فغلبوا عليه في الأمر فتوجّهت حليمة به إلى كاهن النصرانيّة وأخبرته بخبره فقال : لا بدّ أن أسمع منه الكلام .
فتقدّم إليه المصطفى صلى اللّه عليه وسلم وأخبره بما فعلته به الملائكة الروحانية ، فقبض الكاهن يده ووثب قائما على الأقدام ونادى بأعلى صوته : يا آل العرب يا آل العرب من شرّ قد اقتربت ساعاته الوقتية . فلما اجتمعت عليه الناس قال لهم : اقتلوا هذا الغلام فإنكم لو أبقيتموه وأدرك مدرك الرّجولية ليسفّهنّ أحلامكم وليبدّلنّ أديانكم وليبطلنّكم عبادة