هذا جمال الكون هذا بدره * هذا الذي منه الوجود تجدّدا
هذا مرادي وهو بهجة مهجتي * هذا لخلق اللّه يبعث مرشدا
هذا أماني وهو عين رعايتي * هذا حسامي طاعن عنق العدا
هذا حياة القلب بعد مماته * هذا مليح الوجه هذا المقتدى
هذا ملاذي وهو كهف حمايتي * هذا مناي في العشيّة والغدى
هذا نبيّ اللّه خاتم رسله * هذا ضيا عيني وروحي له الفدا
هذا غناي بعد فقري ليس في * قلبي سواه ومن له قد أوجدا
مذ جاءني نلت المنى من خالقي * وصفى لي العيش الهنيّ وأرغدا
يا سيّد السادات يا باب الحمى * يا من غدا للخلق تأتي منجدا
يا قائلا ربّي دعوتك أمّتي * فيجاب من ربّ السماوات النّدا
في خلقنا اشفع يا محمد إننا * بالحقّ لم نخلف لأمرك موعدا
انظر بعينك للمناوي إنّه * في دائرات الذّلّ دوما سرمدا
وانقذه يا مختار من غفلاته * وانجده من بحر المذلّة والرّدى
ولما بلغ صلى اللّه عليه وسلم من العمر عامين توجّهت به حليمة إلى مكّة وأعطته لأمه وأخبرتها بما رأته من أماراته الظاهريّة ، وحدّثتها بما شاهدته من عجائبه التي لا تدركها الأفهام .
فاستبشرت آمنة برؤيته وابتهجت بطلعته وأخلاقه السنيّة ، وقبّلته بين عينيه وضمّته إلى صدرها . فيا أشفق ضمّ ويا أبهج انضمام ، ثم خافت عليه من وباء مكّة فأمرتها بالرجوع إلى المنازل السعديّة ، فرجعت حليمة به وقد هاج شوقها بجماله وانتظم قلبها في محبته أحكم انتظام ، وكان صلى اللّه عليه وسلم وهو عند حليمة إذا خرج مع الصّبيان تترقّب مجيئه بأعينها البصريّة ، وتفرح بقدومه إذا قدم وتبتسم في وجهه أحسن ابتسام . فسأل ذات يوم عن إخوته فقالت : يا حبيبي خرجوا يرعون أغنامنا المقنيّة ، فقال : يا أمّاه دعيني أخرج معهم . فلما أصبح أخذ عصاه وتمنطق بالحزام ، فأوصت حليمة أولادها عليه وبالغت في الوصية . فأقام صلى اللّه عليه وسلم نهاره معهم وهم يرعون الأغنام ، فلما جاء الليل خرجت حليمة لملاقاتهم فرأته مقبلا والأنوار تتلألأ من طوالعه الجبينيّة ، والأغنام حوله تلوذ به كالعرائس وهي تشخب لبنا طيّب المذاق لذيذ الطعام ، فضمّته بين ثدييها وقالت له : يا حبيبي ما الذي غيّبك عني ، فحدّثها أخوه بما رآه من أماراته الشهيريّة وأخبرها بما شاهده من آياته التي لا تبلغ كنهها ذوو الأفهام ، وقال لها : يا أماه لما خرج معنا أخونا القرشيّ فما مررنا على شجرة إلّا حيّته بأحسن التحية ، ولا مررنا على أرض يابسة إلّا اخضرّت ولا بئر إلّا فاض ماؤها ولا حجر إلّا غاصت فيه الأقدام ، ومررنا يا أمّاه على واد فيه