وبعضهم يرى جمال الوجود مقتبسا من ذاك الجمال ، وبعض يراه كأن لم يره وتحجبه عن إدراك حقيقته الأنوار الجلاليّة . قال للصّدّيق الأكبر : ما عرفني غير ربّي قطعا لأطماع العقول عن الوصول إلى ذاك المجال . وكان يقابل القوابل بحسب استعداداتها بحكم سرّ القبضتين في البريّة
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
[ البقرة : الآية 60 ] سعة إلهيّة بعدت عن العبارة والإشارة والمقال . قال صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم » تنزّلا ورحمة عموميّة . ومن كمال سعته صلى اللّه عليه وسلم تطوّر بشريّته بين الخلق حتى يوصف وتضرب له الأمثال .
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
والخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
فمن ذلك ما ورد في شمائل خلقه وخلقه من الآثار العليّة السّنيّة . فقد روي أنه أكمل الناس عقلا وأجملهم خلقا وأحسنهم خلقا وأطولهم يدا في النّوال . عظيم الهامة معتدل القامة مشرب اللون بين الحمرة والصّفرة ذو جبهة نورانيّة ، ليس بالمطهّم ولا بالمكلثم كأنما الشمس تجري في وجهه بالغدوّ والآصال ، أدعج العينين أزجّ الحاجبين ، رجل الشّعر ذو وفرة جماليّة ، طويل العنق كأنه جيد دمية أو كأنما صيغ من فضّة في الصفاء والاعتدال ، أشعر المنكبين واسع الصّدر له مسربة شعريّة ، ضخم الكراديس وبين كتفيه خاتم النّبوّة قدر زرّ الحجال ، سبط العصب منهوس العقب سائل الأطراف مفلّج الأسنان الدّرّيّة ، أشنبها إذا ضحك رؤي النور يخرج من ثناياه واسع الفم فصيح المقال ، وأوتي جوامع الكلم ومجموع الحكم وعرقه كاللؤلؤ وعرفه أزكى من الروائح المسكيّة ، مسيح القدمين إذا مشى في الصّخر أثّر فيه ولا أثر لهما في الرّمال مجرّد عن كثافة الحسّ فليس له ظلّ في الشمس كذلك الذّباب لا يقع على ذاته النّوريّة . من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبّه وقدّمه على النفس والأهل والمال . وكان صلى اللّه عليه وسلم شديد الحياء لا يثبت بصره في وجه أحد ، يلاقي الناس بالبشاشة وحسن الطّويّة ، ويكرم الدّاخل عليه ويؤثره بالوسادة ويقضي حاجة الكبير والصّغير من الأطفال ، وكان يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله في جميع الخصال المرضيّة . وكيف لا وهو المكمّل وبه الكمال وبعث خاتما ومتمّما لمكارم الأخلاق في جميع الخصال .
وإلى هنا انتهت بنا سفينة السّبح في لجج هذا البحر الذي لا ساحل له ولا أينيّة ، وقصرت بنا خطى المقال في ميدان هذا المجال الذي وقفت دونه عقول فحول الرّجال .