قال ابن حجر الهيثمي في مولده الكبير المسمى بالنعمة الكبرى : إن النعمة تمت بإرسال نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم المحصّل لسعادة الدارين ، فصيام يوم تجددت فيه النعم من اللّه تعالى حسن جميل وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تحددها للناس بالشكر ونظير هذا صيام يوم عاشوراء حيث نجّى اللّه تعالى فيه نوحا عليه الصلاة والسلام من الغرق ، وموسى عليه الصلاة والسلام وقومه من فرعون وجنوده وأغرقهم في أليم فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكرا للَّه تعالى وصامه نبينا عليه الصلاة والسلام متابعة لأنبياء اللّه تعالى .
وقال اليهود : نحن أحق بموسى منكم وأمر بصيامه . ه .
ثم إن ما ذكره الهيثمي من استحسان صيام يوم المولد معلّلا له بأنه من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر ، وأصله للحافظ ابن حجر العسقلاني وهما شافعيان وسبقهما إليه الحافظ ابن رجب الحنبلي كما تقدم ، هو خلاف مذهب المالكية ، فقد نقل الخطاب لدى قول خليل وعاشوراء عن الشيخ زروق كراهة صيامه وسلمه ونصه الخامس ، أي من التنبيهات .
قال الشيخ زروق في شرح القرطبية : صيام يوم المولد كرهه بعض من قرب عصره ممن صح علمه وورعه قائلا : إنه من أعياد المسلمين فينبغي أن لا يصام . وكان شيخنا أبو عبد اللّه القوري يذكر ذلك كثيرا ويستحسنه . ه . ونقله الشيخ بناني في حواشي الزرقاني وسلمه كما سلمه الشيخ الرهوني بسكوته عنه ثم قال الخطاب ، قلت : لعله - يعني ابن عباد - فقد قال في رسائله الكبرى : وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم وكل ما يفعل فيه مما يقتضي وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع وإمتاع البصر والسمع والتزيّن بلباس فاخر الثياب وركوب فاره الدواب أمر مباح لا ينكر على أحد قياسا على غيره من أوقات الفرح .
والحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود وارتفع فيه علم الشهود وانقشع بسببه ظلام الكفر والجحود وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمان ومقارنة ذلك بالنيروز والمهرجان أمر مستقل تشمئز منه القلوب السليمة وتدفعه الآراء المستقيمة ، ولقد كنت فيما خلا من الزمان خرجت في يوم المولد إلى ساحل البحر ، فاتفق أن وجدت هناك سيدي الحاج ابن عاشر - أي السلوي رحمه اللّه - وجماعة من أصحابه وقد أخرج بعضهم طعاما محتفلا ليأكلوه هنالك ، فلما قدموه لذلك أرادوا مني مشاركتهم في الأكل وكنت إذ ذاك صائما ، فقلت لهم : إني صائم ، فنظر إليّ سيدي الحاج نظرة منكرة وقال لي ما معناه : إن هذا اليوم يوم فرح وسرور ويستقبح فيه الصيام بمنزلة يوم العيد . فتأملت كلامه فوجدته حقا وكأني كنت نائما فأيقظني ، لكن المناكر التي ألفت في العادة من اجتماع الرجال والنساء وتزاحمهم
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 139
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٣٩