وتضاممهم والإصغاء بالسمع وإرسال البصر في المستحسنات المحظورة المسموعة والمنظورة عند تشاغل الولدان بالأذكار والأشعار قبل اشتهار ضوء النهار ، هي التي تكدر صفاء هذه الحالة المرضية وتوجب للمتدين أن لا يتشاغل بما يوقع في هذه البلية ، وأن يسد هذا الباب عن نفسه بالكلية ، فإذا تركتم العمل بذلك لأجل ما يؤول إليه من الفساد لا لأجل كونه بدعة يؤمر بتركه في كل حال من الأحوال ، كانت نيّتكم فيه صحيحة ولا يضركم توسّم الناس فيكم الصلاح بسبب ذلك ولا حاجة بكم إلى ذم الناس بتقدير رجوعكم إلى الحالة الأولى . انظر تمام كلامه رضي اللّه عنه وقد نقله العلامة ابن زكري في شرح همزيته عند قوله :
يوم مولده على سائر الأعيا * د فضله في الوضوء ضحاء
ولليلته على ليلة القد * ر علوّ بقربه وزكاء
ولا يخفى عليك أن الأظهر كراهة صيام يوم المولد لوضوح علّته المشار لها في كلام العارف ابن عباد ونقلها الشيخ زروق كما رأيته ، وأما ما ذكره الإمامان الحافظ ابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيثمي من تعليل استحسان صيامه بأنه من مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر قياسا على يوم عاشوراء فغير ظاهر لأن شرط القياس المساواة كما تقرر في الأصول ، فإن يوم عاشوراء ورد عن الشرع الترغيب في صيامه بالخصوص وليس يوم عيد وإنما هو موسم من المواسم الفاضلة المرغّب في صيامها ، وأما يوم المولد فهو ، وإن كان الأصل إباحة صيامه بل أفضليته لكونه من الأيام الفاضلة ، لكن لما انعقد الإجماع من بعد القرون الثلاثة على اتخاذه عيدا من أعياد المسلمين وإجماعهم حجّة ولا تجتمع الأمة على ضلالة ، فالأولى قياسه على سائر الأعياد في الجملة فهو من باب تعارض المانع والمقتضي ومعلوم أنه إذا تعارض المانع والمقتضى فالمقدم المانع ، وإنما لم يحرم صيامه كغيره من الأعياد لأنه لم يكن عيدا في زمن النبوّة ولا في القرون الثلاثة الذين شهد لهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالخيرية ، فلذاكره فقط نظرا للإجماع المذكور واتخاذه عيدا وإن كان بدعة أي لغوية ، لكن البدعة اللغوية تعرض لها الأحكام الخمسة كما هو مقرر . وأما تعليلهما استحسان الصيام بأنه من مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر فنقول : إن ذلك ليس على إطلاقه بل محله ما لم يمنع منه مانع كما علمته هنا ، واللّه تعالى أعلم .
اللّهم يا باسط اليدين بالرحمة والعطية ، يا من إذا رفعت إليه أكف عبده أعطاه مطلبه وأمنيته ، يا من تنزّه في ذاته وصفاته عن المثلية ، وتفرّد بالقدم والبقاء والعزّة والعظمة والألوهية ، يا من وسعت رحمته من أطاعه وعصاه وسائر البرية ، يا من لا يرجى غيره وليس إلّا على فضله المعول ، أنت الظاهر والباطن والآخر والأول ، أسألك اللّهم