تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
كثيرا جدا ؛ بحيث لا تنثلم بتلك الكثرة أحدية الحق وبساطته ، وهذا أمر عجيب جدا ، إلا أنّا أوضحنا سبيله من الأصول التي قررنا بنيانها ، وأحكمنا برهانها . فنقول : إذا أخذت ذاته باعتبار انضمام هذه الروابط والمخصصات التي يعبر عنها بالخزائن ، كما في قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
. وبشكل عام ، فإرادة الله هي كما جاء في علمه وقدرته ، فإرادته عين علمه وعين ذاته ، وعلم الله بفيض الأشياء عنه هو نفس إرادته ورضاه ، وهذا عبارة عن الإرادة الخالية عن النقص والإمكان . هذا التعريف يتعارض مع التعريف الذي ذكره البعض ، والذين قالوا : القدرة عبارة عن صحة الفعل وترك طرفي الممكن ، وبأي ممكن من الممكنات . اعلم أن نسبة الإرادة إلى المراد كنسبة العلم إلى المعلوم ، بل كنسبة الوجود إلى الشيء الموجود ، فيمتنع استواء نسبتها إلى الضدين والمتنافيين ، بل بها يجب أحدهما ويمتنع الآخر ، فكيف تستوي نسبتها إليهما ؟ ! وهل هذا إلا كما يقال : إن وجود السواد بعينه يصلح أن يكون وجود البياض ؟ أو كما يقال : إن الصورة الإنسانية في الذهن بعينها هي الصورة الفرسية في العلوم التفصيلية وكذا حكم التشخص وأمثاله . فكما لا شبهة لأحد في أن وجود زيد بعينه لا يمكن أن يكون وجود عمر بعينه ، ولا العلم بأحدهما هو العلم بالآخر - لأن تشخص العلم بزيد وهذيته وهويته متعلقة به لا محالة ، فلو تعلق هذا العلم بغيره لانقلب شخصه وبطلت هذيته - كذلك حكم الإرادة فإنها تتعين بتعين المراد وتتشخص بتشخصه ، محقّقا كان أم مقدرا ، مجملا كان أم مفصلا ، فإرادة كل فعل كالعلم به ، إنما تعينت وتشخصت بتعلقها بذلك الفعل ، حتى لو فرض تعلقها بغير ذلك الفعل ، كان ذلك فرضا لانقلاب الحقيقة كفرض الإنسان غير الإنسان ، وذلك محال . فظهر بطلان هذا المذهب ( الأسفار ، ج 6 ، ص 323 ) . فالأشاعرة فسروا الإرادة بأنها صفة مخصّصة لأحد المقدورين ، وهي مغايرة للعلم والقدرة ؛ لأن خاصية القدرة صحة الإيجاد واللاإيجاد ، وذلك بالنسبة إلى جميع الأوقات وإلى طرفي الفعل والترك على السواء ؛ ولأن العلم بالوقوع تبع الوقوع ، فلو كان الوقوع تبعا للعلم لزم الدور ، وظاهر أنها مغايرة للحياة والكلام والسمع والبصر . أقول : وقد علمت ما فيه ، وكذا ما في قولهم : " العلم بالوقوع تبع للوقوع " ؛ لأنهم إن أرادوا به العموم والكلية فهو ممنوع ، فإن من المعلوم ما يتبعه الوقوع كما مر . وذهب أكثر المعتزلة إلى أن كلا منهما من جنس الإدراك ، ففسروا الإرادة باعتقاد النفع ، والكراهة باعتقاد الضرر ؛ لأن نسبة القدرة إلى طرفي الفعل والترك بالسوية ، فإذا حصل في القلب اعتقاد النفع لأحد الطرفين ، يرجح بسببه ذلك الطرف ، ويصير الفاعل مؤثرا مختارا . وأورد عليه : إنا كثيرا ما نعتقد النفع في كثير من الأفعال ولا نفعلها ولا نريدها . ولا نعتقد النفع في كثير منها بل نعتقد ضرها ونريدها . ولذا ذهب بعض آخر منهم إلى أنها