و
الواجب :
وضحنا تحت عنوان الإمكان أن الفلاسفة يقسمون المفاهيم من حيث انتسابها إلى الخارج إلى ثلاثة أقسام : الواجب ، الممتنع ، والممكن .
الواجب إما واجب بالذات ، وإما واجب بالغير ، وإما واجب بالقياس .
جميع موجودات العالم واجبة بالغير ؛ لأنها موجودة ، وكل موجود " ما لم يجب لم يوجد " ، فبما أنها موجودة فهي واجبة ، لكن وجوبها بالغير .
الواجب بالذات هو الذي يكون بذاته مصداق الموجودية وعين الوجود ، ثم إن موجوديته من دون قيد وشرط ووصف . وعندما يقولون : إن وجوب وجود المرتبة هو تأكد الوجود ، يقصدون منه الوجوب الذاتي ( الأسفار ، ج 1 ، ص 108 ، وج 6 ، ص 11 ، والمشاعر ، ص 73 ) .
أما الواجب بالقياس ، فهو الذي يستدعي الغير وجوبه ، وعليه فكافة المعاليل تستدعي وجوب وجود علتها ، وذلك أعم من الوجوب بالذات أو الغير . إذا الممكنات واجبة بالغير وواجبة بالقياس ، وذات واجب الوجود واجبة بالذات وبالقياس .
واجب الوجود بالذات لا يمكن أن يكون فاعلا وقابلا ؛ ذلك لأن القابلية تتنافى ووجوب الوجود ، ولذلك فواجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات ، فلو فقد في مرتبة كمال ما ، لاحتاج إلى مكمل واستلزم تركبه من كمال ونقص .
إذا الواجب بالذات يمتلك كافة الكمالات والصفات الوجودية الحاصلة بالفعل ، وهي عين ذاته .
وبشكل عام ، الواجب هو الموجود الذي يكون وجوده بذاته ولذاته ، ويقابله الموجود الذي يكون وجوده لغيره .
يعتقد الفلاسفة سواء القائلين بأصالة الماهية أو الوجود أن الوجود والماهية في ذات الحق شيء واحد . ووجود الحق عين ماهيته وماهيته عين وجوده ؛ لأنه لا وجود في ذاته لأي نوع من أنواع التركيب حتى التركيب الذهني . وقد ذكر صدر المتألهين العديد من الأدلة على امتناع زيادة وجود الحق على الماهية ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الأول ، ص 96 ) .
يعتقد صدر المتألهين أنه يمكن الاستفادة من عبارة واصطلاح واجب الوجود بالذات ، أن واجب الوجود بالذات عبارة عن الموجود الذي يتحقق له بالفعل كل ما يمكن له بالإمكان العام . وبعبارة أخرى ؛ إنه عبارة عن الموجود الذي يتحقق له بالفعل كل ما يمكن له أو ما يمكن تصوره . والواجب بالذات لا يمتلك حالة منتظرة ؛ لأنه يعني الذي لا قوة فيه ، وهذا هو الفرق بين الممكن والواجب ( م . ن . ص 132 ) .
الإشكال الذي يمكن طرحه هنا هو أن المفارقات العقلية أيضا لا تملك حالة انتظارية ؛ حيث يحصل لها بالفعل كل ما هو ممكن ، والجواب أن الواجب صفاته عين ذاته ؛ أي إنها