تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
فإلى هذا المنزل يشارك الإنسان البهائم . وبعد هذا يترقى إلى عالم الإنسانية ، فيدرك الأشياء التي لا تدخل في حس ولا تخيل ولا وهم ، ويحذر الأمور المستقبلة ، ولا يقتصر حذره على العاجلة ، ويدرك الأشياء الغائبة عن الحس والخيال والوهم ، ويطلب الآخرة والبقاء الأبدي ، ومن هاهنا يقع عليه اسم الإنسانية بالحقيقة ، وهذه الحقيقة هي الروح المنسوبة إلى الله ( تعالى ) في قوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي *
. وفي هذا العالم يفتح له باب الملكوت ، فيشاهد الأرواح المجردة عن غشاوة هذه القوالب ، وأعني بهذه الأرواح الحقائق المحضة المجردة عن كسوة التلبيس وغشاوة الأشكال ، وهي الصورة المفارقة التي شاهدها أصحاب المعارج من أساطين الأقدمين السلاك كما حكاه " أفلاطون " عن نفسه ، وكذا " سقراط " ، و " فيثاغورث " ، و " انباذقلس " ، وغيرهم ، وشاهدها أيضا معلم المشائين " أرسطوطاليس " كما دل عليه كتابه المعروف ب : أثولوجيا ، وهذا العالم عظيم الفسحة لا نهاية له ، والسر فيه مثاله المشي على الماء ، فإن فيه حياة الحيوان العقلية وله طبقات كثيرة ، أرضها سقف العالم الذي تحته . كما إن أرض الجنة الكرسي وسقفها عرش الرحمن ، ثم يرقى منه إلى طبقة أخرى ، مثاله هاهنا المشي في الهواء ، ولذلك لما قيل لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم : " إن عيسى عليه السلام قد مشى على الماء " فقال : " لو ازداد يقينا لمشى في الهواء " . وأما التردد على المحسوسات ، فهو كالمشي على الأرض ، فإن هذا العالم كله بمنزلة الأرض لعالم الأرواح ، وبينها وبين الماء عالم يجري مجرى السفينة ، ومنها تتولد درجات الشياطين ، حتى إنه متى تجاوز الإنسان عوالم البهائم فينتهي إلى عالم الشياطين ، وعالمها عالم الموهومات ، ومنه يسافر إلى عالم الملائكة الروحانيين . وقد مرت الإشارة منا إلى أن ليس للوهم عالم خارج عن العوالم الثلاثة ؛ لأن مدرك الوهم ليس سوى مدرك الخيال أو العقل ، وإنما هو أمر متردد بينهما ليس له مستقر ، فكذلك حكم عالمه ؛ فمآل الشياطين وذريتهم وجنودهم إلى البوار والهوى إلى جحيم الأشرار . وهذه العوالم كلها منازل الهدى ، ولكن الهدى المنسوب إلى الله ( تعالى ) يوجد في العالم الأخير ، وهو عالم الأرواح ، كما قال :
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى *
. فمقام كل آدمي ومنزله في العلو والسفل بقدر إدراكه وهو معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام : " الناس أبناء ما يحسبون " ، فالإنسان بين أن يكون دودا أو بهيمة أو فرسا أو شيطانا ، ثم إذا جاوز ذلك يصير ملكا . وللملائكة درجات ومقامات ، لقوله تعالى :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
، فمنهم الأرضية ، ومنهم السماوية ، ومنهم المقربون ، وهم المرتفعون عن الالتفات إلى السماء والأرض ، القاصرون نظرهم على ملاحظة الحضرة الربوبية ، وهم أبدا في دار البقاء ، إذ ملحوظهم هو الوجه الباقي ، وما عدا ذلك فإلى الفناء مصيره ، أعني السماء والأرض وما