واعلم إنهم اختلفوا في أن المقول لهم كل الملائكة ، أم ملائكة الأرض ، والحق إن المراد من الخليفة إن كان آدم عليه السلام أو الإنسان الصغير ، فالمقول له هم الملائكة الأرضية ، وإن كان الإنسان الكبير المحمدي صلى اللّه عليه وآله وسلم فالمخاطب كل الملائكة أجمعين .
وقيل : هم إبليس ومن كان معه في محاربة الجن ، فإنه ( تعالى ) أسكنهم في الأرض أولا فأفسدوا فيها ، فبعث إليهم إبليس في جند من الملائكة فدمرهم وفرقهم في الجبال والجزائر .
الإشراق الخامس : في عدد الملائكة العقلية :
قال الله ( تعالى ) :
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
، قد مر أن لكل متحرك محركا ، فعدد المحركات كعدد المتحركات ، وعلمت استناد الحركات الطبيعية إلى أشواق وإرادات ، وعلمت انتهاء الأشواق إلى غايات عقلية .
فلو كانت المتحركات والمحركات تنسب إليه ( تعالى ) وإلى فيضه الأول ابتداء ، لا على ترتيب أول وثان بل جملة واحدة ، لكانت تطرقت إلى ذاته كثرة الجهات ، وقد أقيم البرهان على وحدته وعلى أن فيضه الأول وحداني بالذات مثلث بالعرض ، فتكون الجواهر المفارقة كثيرة على عدد المتحركات والحركات الكلية .
ثم إنه قد ظهر للحكماء بصناعة المجسطي وجود أجرام كثيرة سماوية فوق الخمسين دورية الحركات الدائمة المختلفة قدرا وجهة ، ولكل كرة متحرّكة قوة محرّكة شوقية غير متناهية الشوق ، ومحرك ثابت كما يحرّك المعشوق العاشق .
فلكل منها محرّكان : مفارق عقلاني ، ومزاول نفساني تتقوم بهما صورة الجرم السماوي ، فالمحركات المفارقة تحرّك النفوس على أنها مشتهيات معشوقة ، والمحركات المزاولة تحرّك المادة على أنها مشتهية عاشقة .
وطبائع السماوات ، هي صور هذه الحركات المادية ، ونفوسها صور الأشواق العقلية ، والكل أحياء ناطقون وعشّاق إلهيّون .
والعقول أعلاها مرتبة ، وأقربها منزلة من الحق ، وأشدها عبودية وعشقا له فعددها على عدد الأفلاك والأجرام وعدد مدبراتها .
فجنود الله كثيرة لا يعلم عددها إلا هو كما قال :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
( المدثر / 31 ) ( الشواهد الربوبية ، ص 140 - 141 ) .
في اختلاف مذاهب الناس في ماهية الملائكة
إن الناس قد اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتها ، وطريق الضبط أن يقال : الملائكة لا بد أن يكون لها ذوات قائمة بأنفسها في الجملة ، ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة ، أو لا تكون ، أما الأول ففيه أقوال :
أحدها : إنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة ، مسكنها