تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
ولأجل ذلك هذا العشق النفساني للشخص الإنساني إذا لم يكن مبدأه إفراط الشهوة الحيوانية معدود من جملة الفضائل وهو يرقق القلب ويذكي الذهن وينبه النفس على إدراك الأمور الشريفة ، ولأجل ذلك أمر المشايخ مريديهم في الابتداء بالعشق ، وقيل : " العشق العفيف أوفى سبب في تلطيف النفس وتنوير القلب " . وفي الأخبار " إن الله جميل يحب الجمال " ، وقيل : " من عشق وعف وكتم ومات مات شهيدا " ( الأسفار ، ج 2 ، السفر الثالث ، ص 174 ) . وتفصيل المقام ؛ إن العشق الإنساني ينقسم إلى حقيقي ومجازي ، والعشق الحقيقي هو محبة الله وصفاته وأفعاله من حيث هي أفعاله ، والمجازي ينقسم إلى نفساني وإلى حيواني ، والنفساني هو الذي يكون مبدأه مشاكلة نفس العاشق المعشوق في الجوهر ، ويكون أكثر إعجابه بشمائل المعشوق ؛ لأنها آثار صادرة عن نفسه ، والحيواني هو الذي يكون مبدأه شهوة بدنية وطلب لذة بهيمية ، ويكون أكثر إعجاب العاشق بظاهر المعشوق ولونه وأشكال أعضائه ؛ لأنها أمور بدنية . والأول مما يقتضيه لطافة النفس وصفاتها ، والثاني مما يقتضيه النفس الأمارة ويكون الأكثر مقارنا للفجور والحرص عليه . لكن الذي يجب التنبيه عليه في هذا المقام أن هذا العشق وإن كان معدودا من جملة الفضائل ، إلا أنه من الفضائل التي يتوسط الموصوف بها بين العقل المفارق المحض وبين النفس الحيوانية ، ومثل هذه الفضائل لا تكون محمودة شريفة على الإطلاق في كل وقت ، وعلى كل حال من الأحوال ومن كل أحد من الناس بل ينبغي استعمال هذه المحبة في أواسط السلوك العرفاني وفي حال ترقيق النفس وتنبيهها عن نوم الغفلة ورقدة الطبيعة وإخراجها عن بحر الشهوات الحيوانية . وأما الذين ذهبوا إلى أن هذا العشق من فعل الباطلين الفارغي الهمم ؛ فلأنهم لا خيرة لهم بالأمور الحفية والأسرار اللطيفة ولا يعرفون من الأمور إلا ما تجلى للحواس وظهر للمشاعر الظاهرة ، ولم يعلموا أن الله ( تعالى ) لا يخلق شيئا في جبلة النفوس إلا لحكمة جليلة وغاية عظيمة . ثم تابع صدر المتألهين البحث قائلا : اعلم إن محبوبات النفوس والطبائع مختلفة ومعشوقاتها متفننة حسب اختلاف مراتبها في الوجود ودرجاتها في العلوم والمعارف ، وذلك أن كل قوة من القوى لا تستكمل إلا بما يجانسها ويشاكلها ، فالقوة الباصرة لا تشتاق إلا إلى الألوان والأضواء ؛ لأنها من جنسها . ثم إن الإنسان من جملة المكونات كأنه ذات مجموعة من جميع ما في العالم من الأنواع والأجناس على وجه الاستعداد والقوة ؛ بمعنى أن كل جنس من أجناس الموجودات وطبقة من الطبقات وعالم من العوالم العقلية والنفسية والطبيعية يوجد فيه شيء ناقص في الابتداء مستعد للاستكمال ، وكل ناقص مشتاق إلى كماله ، فالإنسان يشتاق بكله إلى ما هو جامع لكل الكمالات بالإمكان العام ولا توجد كمالات الأشياء كلها على وجه التمام إلا في