" وبالجملة فما من حركة ذاتية إلا ومباشرها طبيعة سارية في الجسم ، وهذه الطبيعة قد ثبت تجددها وتبدلها بحسب الهوية الوجودية كما علمت بالبرهان ، ولا ينفك جسم طبيعي عن هذا الجوهر ، إلا هذا الجوهر في الفلك والحيوان والنبات لا ينفك عن النفس ؛ بمعنى إن النفس كمال هذا الجوهر وتمامه ، لا أن الطبيعة في ما له نفس شيء له وجود والنفس فيه جوهر آخر له وجود آخر ، حتى يكون في شخص واحد جوهران متباينان في الوجود أحدهما طبيعة ، والآخر نفس ، فإن ذلك ممتنع جدا بل كل شخص " .
الطبيعة السيالة :
يقول صدر المتألهين : " إن كل جوهر شخصي له طبيعة سيالة متجددة ، وله أمر ثابت ؛ لأن لكل شيء موجود حقيقة عقلية ثابتة عند الله موجودة في عالم الله ؛ إذ لا يمكن خروج شيء من الحقائق من عالم علمه الأزلي وقضائه الحتمي ، ونسبة الحقيقة الثابتة له إلى هويته المتجددة نسبة الروح إلى الجسد . ألا ترى أن الروح باقية عند الله لتجردها ، وطبيعة البدن أبدا في السيلان والذوبان ، وهكذا الأجساد الطبيعية وسعيرها . والخلق غافلون عن هذا الزوال والتجدد والانتقال بسبب ورود الأمثال . كما قال ( تعالى ) :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
، وقوله ( عز وجل ) :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
، فكل نوع من الأجسام فلكيا كان أم عنصريا ، بسيطا أم مركبا . فهو من حيث وجوده الطبيعي أبدا في التجدد والسيلان والتحلل والذوبان ، ومن حيث وجوده العقلي وصورته العلمية المفارقية الأفلاطونية باق في علم الله ، وكذلك كل حقيقة جوهرية طبيعية لها كونان : كون دنيوي دائر ، وكون أخروي باق ، ولهذا قال أهل الشرائع : إن الدنيا دار زوال وانتقال ، والآخرة دار القرار والمآل ( مفاتيح الغيب ، ص 390 - 391 ) .
قال بهمنيار تلميذ أبو علي بن سينا ، في كتابه المسمى بالتحصيل : إن قوما ظنوا أن الطبيعة هي الحركة ؛ أعني جوهر الشيء الصوري ، والحق أن الأمر ليس كما ظنوا ، بل هي متحركية الطبيعة وحالها لا نفسها ، انته .
أقول : وكلامه بعينه كما ذكرنا سابقا من : أن الحركة هي نفس خروج الشيء من القوة إلى الفعل ، لا ما به يخرج من القوة إلى الفعل ، فعلى هذا أمكن حمل كلامهم على أن مرادهم : الطبيعة نفس ما به يخرج الشيء من القوة إلى الفعل ؛ إذ لها كون سيال متجدد الحصول في الوجود ، ثم قال فيه : إن السواد ليس سوادا اشتد ، بل هو اشتداد الموضوع في سواديته ، فليس في الموضوع سوادان : سواد أصل مستمر ، وسواد زائد عليه ، لاستحالة اجتماع السوادين في الموضوع الواحد ، بل يكون له في كل آن مبلغ آخر ، فتكون هذه الزيادة المتصلة هي الحركة ، لا السواد والاشتداد يخرجه من نوعه الأول ويدخله في نوعه الثاني ، قالوا : فعلم أن النفس ليست بمزاج ؛ لأنها باقية ، والمزاج أمر سيال متجدد فيما بين كل طرفين أنواع بلا نهاية بالقوة ، ومعنى كونها بالقوة : أن كل نوع من أنواعه غير متميز عما