كمالها فلا يحس به ما دامت كذلك .
فإذا تقرر هذا فنقول : النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن يتحد بالعقل الكلي ، ويتقرر فيها صورة الكل وهيئة النظام الأتم والخير الفائض من مبدأ الكل الباري ( جل ذكره ) في العقول والنفوس والطبائع والأجرام الفلكية والعنصرية إلى آخر الوجود ، ويتصور كيفية تدبير الباري للأشياء الآخذة منه إلى أدناها ، ثم العائدة إليه العارجة من أدنى إلى أقصاها . . . ( مفاتيح الغيب ، ص 586 ) .
يقول صدر المتألهين : اعلم إن الوجودات باقية على خيريتها الأصلية والعرضية أيضا ما دامت هي غير نازلة إلى عالم التصادم والتضاد ، ولم تنته سلسلتها إلى حيّز المكان والزمان ، وأما إذا انجرت سلسلة الوجود إلى عالم الأجسام والظلمات ومضائق الأكوان والازدحامات ، فبعض الوجودات مع أنه خير محض بالذات وبالعرض بحسب ذاته ، وبالقياس إلى ما لا يستضر به بل ينتفع منه ، وهو ما يناسبه هذا الوجود ويلائمه ، لكنه بالقياس إلى ما يستضر به ، أو يتأذى منه ، أو ينعدم به يوصف بالشرية .
ويقول صدر المتألهين : ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الأول ، ص 341 ) . . . معنى الخير ما يؤثر عند العقلاء وتشتاق إليه الأشياء وتطلبه الموجودات وتدور عليه طبعا وإرادة وجبلّة ، وبين أن الأشياء ليست طالبة للمعنى المصدري ، ولا يكون مبتغاها ومقصودها مفهوما ذهنيا ومعقولا ثانويا . وهذا في غاية الظهور والجلاء لا يليق أن يخفى بطلانه على أوائل العقول الإنسانية ، من غير رجوعها إلى استعمال الفكر والروية .
فإذا تحقق أن وجود كل شيء ، هو نحو ظهوره بإفاضة نور الوجود عليه من القيوم الواجب بالذات ، فالخير بالحقيقة يرجع إلى حقيقة الوجود ، أما الماهيات الإمكانية والأعيان الثابتة في العقول ، فهي في حدود أنفسها لا توصف بخيرية ولا شرية ؛ لأنها لا موجودة ولا معدومة باعتبار أنفسها ووجودها المنسوب إليها خيريتها وعدمها شريتها . . .
فقد ثبت بالحكمة إن الخير برضاه وقضائه جملة وتفصيلا ، والشر بقضائه جملة وبقدره تفصيلا ، فالإرادة الأولية الرضائية تؤدي إلى الخير الكلي ، والنظام الأعلى بالقياس إلى العوالم كلها بحسب الأنواع والإرادة الثانوية القدرية الجزئية تؤدي إلى الخير والسعادة لطائفة بالقياس إلى عالم وإلى عالم ، وإلى الشر لطائفة أخرى بالقياس إلى عالم آخر كما في الحديث الإلهي : ( تفسير ملا صدرا ، ج 2 ، ص 264 ) " هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي " وقوله تعالى :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ
( 11 / 118 - 119 ) .