يعتقد صدر المتألهين بعد دراسة الأقوال المتعددة حول الخيال ، بأن الصور الخيالية غير موجودة في هذا العالم وغير منطبعة في واحدة من قوى البدن ، بل الخيال منفصل الوجود عن البدن ومجرد ، وهو عالم آخر غير عالم الطبيعة والحركة ، وهو قوة مجردة عن البدن وأحوال الثواب والعقاب والبعث .
يجب الالتفات إلى أن القوة الخيالية هي غير المتخيلة ، التي يقال لها المفكرة باعتبار استعمالها للقوة الناطقة - المتخيلة .
الخيال المنفصل :
يعتبر الخيال المنفصل عند صدر المتألهين وبأحد الاعتبارات ، هو عالم المثال ، ويقابله الخيال المتصل .
يعتقد صدر المتألهين في باب الوجود الذهني ، بأن الصور الخيالية غير موجودة في الأذهان لامتناع انطباع الكبير في الصغير ، وهي غير موجودة في الأعيان أيضا ، وإلا لتمكن من رؤيتها جميع الأشخاص . وهي غير معدومة أيضا ، وإلا لم تكن متصورة ومتميزة ، ولم يحكم عليها بأحكام ثبوتية مختلفة ، وبما أنها كذلك ؛ أي عدم وجودها في الأذهان وفي الخارج وفي العقول ، فلا بد من وجودها في صقع آخر وهو عالم المثال ، الذي يطلق عليه الخيال المنفصل لجهة كونه غير مادي ، وقد شبه بالخيال المتصل والقوة المتخيلة التي تقدم الصور للخيال ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الرابع ، ص 299 - 300 ) .
" في أن المدرك للصور المتخيلة أيضا لا بد أن يكون مجردا عن هذا العالم
هذا وإن كان مخالفا لما عليه جمهور الحكماء ، حتى الشيخ ومن يحذو حذوه ، لكن المتبع هو البرهان ، والحق لا يعرف إلا بالبرهان لا بالرجال ؛ لأن المحسوس لا يفيد المعقول ولا يسلط عليه ، بل المعقول قاهر على كل محسوس . أما البرهان على هذا المطلوب فهو إن الصورة الخيالية ؛ كصورة شكل مربع محيط بدائرة قطرها يساوي قطر الفلك الأعظم ، فهذه الصورة الشكلية إما أن تكون بالقياس إلى ما هي شكله في الموجودات الخارجية ؛ كأنها شكل منزوع عن موجود خارجي وليس كذلك ، أو يكون شكلا في مادة دماغية حاملة له ، والمادة الدماغية مشتغلة بشكل صغير المقدار غير هذا الشكل ، والمادة الواحدة لا يجوز أن تشتغل في آن واحد بمقدار صغير في غاية الصغر ، وبمقدار عظيم في غاية الكبر ، ولا تشكل أيضا بشكلين متبائنين دفعة واحدة .
وأيضا شكل الدماغ طبيعي ، وكذا مقداره مقدار طبيعي له ، وهذا الشكل الذي كلامنا فيه قد يحصل بالإرادة النفسانية على أي مقدار يريد ، وكذا غيره من الصور والأشكال .
وأيضا ربما يزداد المقدار المشكل الحاضر في الخيال وينبسط في تماديه إلى حيث تشاء النفس ، وكل جسم طبيعي لا يمكن أن ينمو ويزداد إلا بإضافة مادة من الخارج إليه ، فظهر إن المقدار المشكل المتخيل ليس مقدارا لمادة دماغية ولا لغيره ( الأسفار ، ج 3 ،