حدوث النفوس :
يقول صدر المتألهين في الشواهد الربوبية حول حدوث النفوس :
" الإشراق السادس : في حدوث النفوس الإنسانية :
اعلم أن النفس الإنسانية جسمانية الحدوث ، روحانية البقاء ، إذا استكملت وخرجت من القوة إلى الفعل .
والبرهان عليه : إن كل مجرد عن المادة لا يلحقها عارض قريب ، لما مر من أن جهة القوة والاستعداد راجعة إلى أمر هو بذاته قوة صرفة ، ويتحصل بالصور المقومة له ، وما هو إلا الهيولى الجرمانية ، فيلزم من فرض تجرد النفس عن المادة اقترانها بها ، هذا خلف وستعلم بطلان التناسخ ، فإذا ، تكون حادثة .
وهذا البرهان غير مبني على أن النفوس الإنسانية متحدة النوع ، فيكون أولى مما قيل :
إنها لو كانت موجودة قبل الأبدان ، لم تكن متكثرة ولا واحدة ، أما الأول فلأن الامتياز فيما له حد نوعي إما بالمواد أو بعوارضها أو الفاعل أو بالغاية والعلل منحصرة في هذه ، والنفوس صورتها ذاتها لاتحادها في النوع ، وفاعلها أمر واحد ، وغايتها الاتصال به والتشبه له ، فيكون تكثرها إما بالمادة أو بما هو في حكمها : كالأبدان : وقد فرضت مفارقة هذا خلف .
وأما الثاني ؛ فلأن قبول الكثرة بعد الوحدة من خواص المقادير وعوارضها ، والنفس ليست كذلك " ( الشواهد الربوبية ، ص 165 - 166 ) .
" في حدوث النفس : الفلاسفة قد اختلفوا في هذه المسألة ، فالمشهور من أفلاطون ومن تبعه أنه ذهب إلى قدمها ، وذهب أرسطو ومن وافقه إلى حدوثها بحدوث البدن . والحق أن النفوس الإنسانية بما هي نفوس حادثة بحدوث البدن ، وبما هي في علم الله من حيث حقيقتها الروحانية قديمة بقدم علمه ( تعالى ) ، فهي جسمانية الحدوث روحانية البقاء ، عندما استكملت وخرجت من القوة إلى الفعل .
والبرهان على ذلك : إن كل مجرد عن المادة وعوارضها لا يلحقه عارض قريب ، لما ثبت وتقرر أن جهة التجدد والحركة والاستعداد راجعة كلها إلى أمر هو في ذاته قوة محضة ، لا يحصل لها إلا بما يحلها من الصورة والهيئات ، وليس هو إلا المادة الجرمانية المسماة عند العرفاء بالهباء والسنحة ، فإذا كان الأمر كذلك فيلزم كون كل حادث جسمانيا ، وأن المجرد الصرف بما هو كذلك غير مادي ، فالنفس لو كانت موجودة قبل البدن ، فلا يخلو إما أن تكون موجودة في بدن آخر ، فيلزم التناسخ وهو محال كما ستعلم ، وأما أن تكون مفارقة عن الأبدان كلها ، فيلزم عروض التجدد وسنوح التغير الزماني على أمر خارج عن عالم المواد وحركاتها واستعداداتها ، وهذا محال كما ستعلم .
ومما يدل على أن النفس التي هي صورة الإنسان جسمانية الحدوث وروحانية البقاء ،