شدتهما جميعا " .
من المؤيدات على هذا الأمر أن الإنسان مخلوق على صورة الخالق ، وأن كافة الصفات والقوى الموجودة في الخالق موجودة في الإنسان ، من جملتها قدرة الحق ، ولا بد من وجود إرادة وقدرة واختيار في الإنسان يكون مظهرها التام .
وبشكل عام ، فإن كل فعل ينجز بعد حصول علته التامة ؛ بحيث إذا لم تحصل العلل فإن الأفعال لن تنجز . أما حول الجبر والاختيار ، فإن الناظر إلى السبب والعلة الأولى يجد أن وجود الأسباب والعلل الأولى ليست في اختيار وقدرة الفاعل ، فإنه سيحكم بالجبر ، ولكن هذا الحكم غير صحيح ؛ ذلك لأن السبب القريب للفعل هو إرادة وقدرة العبد .
ومن نظر إلى سبب الفعل القريب حكم بالاختيار ، وهذا حكم غير صحيح أيضا ؛ ذلك لأن صدور الفعل لا يستند فقط إلى العلة والسبب القريب ، والحق أنه " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين " ؛ بمعنى أن علم الفاعل وإرادته هي مبدأ التأثير في الشيء ، أعم من كونه أمرا واحدا أو أمورا متعددة ، وسواء كان عين الفاعل كذات الفاعل في الباري ( تعالى ) أم غيره ، كما في غير ذات الحق " كان الفاعل مختارا أو كان صدور الفعل عنه بإرادته وعلمه ورضاه " .
وقد قدّم صدر المتألهين شرحا مفصلا لمسألة الجبر والقدر ، وقال : إذا كانت نسبة أفعال العبد إلى الله بواسطة العارف المحقق ، فهي حق وصواب ، وهي باطلة إن كانت عن جاهل متكلم ، ثم تعرض بشكل مختصر لعقائد أبو الحسن الأشعري والمعتزلة ، وقال حول مسألة الأمر بين الأمرين : ( تفسير ملا صدرا ، ج 2 ، ص 218 ، 229 ، 236 ) .
" إذا تقرر هذا فلنرجع إلى تحقيق الجبر والقدر ، فأقول : إن نسبة أفعال العباد كلها إلى الله ، إن وقع من العارف المحقق فهو حق وصواب ، وإن وقع من الجاهل المتكلم فهو باطل وخطأ ، وكذا تنزيه الله عنها جميعا ، إن وقع من السابقين الأولين والحكماء الشامخين والعرفاء الراسخين فهو أدب وتجريد ، وإن وقع من الحكيم الباحث أو المتكلم القوّال من أهل الاعتزال فهو سوء أدب وتعطيل ، وفتح باب التأويل في أكثر الآيات ، وسد عظيم لطريق الاهتداء بأنوار التنزيل .
أما نسبة البعض كالخيرات إليه تعالى والبعض الآخر كالشرور إلى غيره فمما له وجه عند الطائفتين الأوليين كل بحسب حاله ومقامه ، وأما لو وقع من غيرهما من أصحاب الفكر أو الرواية ، فيوشك أن يكون فيه قرع باب الثنوية في الاعتقاد ، ولا يأمن من قائله من أن يحجب عن نور الحق يوم المعاد .
أما أهل الجبر وأصحاب أبي الحسن الأشعري ، فلعدم التزامهم قاعدة التحسين والتقبيح العقليين ، ولا محافظتهم على القوانين العقلية ، حملوا الإضلال المنسوب إليه ( تعالى ) على كونه خالق الضلال والكفر فيهم ، فصدهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه ، وربما قالوا : " هذا هو حقيقة اللفظ بحسب اللغة ؛ لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 163
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص١٦٣