على تلك الأفعال ، وفوض إليهم الاختيار ، فهم مستقلون بإيجاد تلك الأفعال وفق مشيئتهم . . .
ب - وذهب جماعة أخرى ؛ كالأشاعرة إلى أن كل ما يدخل في الوجود فهو بإرادته ( تعالى ) من غير واسطة ، سواء كان من الأمور القائمة بذاتها أم الصفات التابعة لغيرها من أفعال العباد .
ج - وذهبت طائفة أخرى ، وهم الحكماء وخواص أصحابنا الإمامية ( رضوان الله عليهم ) إلى أن الأشياء في قبول الوجود من المبدأ المتعالي متفاوتة ، فبعضها لا يقبل الوجود إلا بعد وجود الآخر ، كالعرض الذي لا يمكن وجوده إلا بعد وجود الجوهر . فقدرته في غاية الكمال ، يفيض الوجود على الممكنات على ترتيب ونظام وبحسب قابلياتها المتفاوتة بحسب الإمكانات . فبعضها صادرة عنه بلا سبب ، وبعضها بسبب واحد أو أسباب كثيرة ، فلا يدخل مثل ذلك الوجود إلا بعد سبق أمور هي أسباب وجود ، وهو مسبب الأسباب من غير سبب ، وليس ذلك لنقصان في القدرة ، بل النقصان في القابلية .
د - وذهبت طائفة أخرى ، وهم الراسخون في العلم إلى أن الموجودات على تباينها في الذوات والصفات والأفعال ، وترتبها في القرب والبعد من الحق الأول والذات الأحدية ، تجمعها حقيقة واحدة إلهية جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها ، لا بمعنى أن المركب من المجموع شيء واحد ، وهو الحق ( سبحانه ) بل بمعنى أن تلك الحقيقة الإلهية ، مع أنها في غاية البساطة والأحدية ، ينفذ نورها في أقطار السماوات والأرضين ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الثالث ، ص 369 ) .
. . . وبه يتحقق معنى ما ورد من كلام إمام الموحدين علي عليه السلام : " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين " ؛ إذ ليس المراد منه أن في فعل العبد تركيبا من الجبر والتفويض . ولا أيضا معناه أن فيه خلوا عنهما ، ولا أنه اختيار من جهة واضطرار من جهة أخرى ، ولا أنه مضطر في صورة الاختيار ، كما وقع في عبارة الشيخ ، بل معناه أنه مختار من حيث إنه مجبور ، ومجبور من الوجه الذي هو مختار ، وأن اختياره بعينه اضطراره ، وقول القائل : خير الأمور أوسطها يتحقق في هذا المذهب .
بين الضدين قد يكون بمعنى الممتزج عن مكسور طرفيهما ؛ كالماء الفاتر الذي يقال : لا حار ولا بارد مع أنه ليس بخارج عن جنسهما ، فهذا معنى قولهم : إن التوسط بين الأضداد بمنزلة الخلو عنها ، وقد يكون الجامع لها بوجه أعلى وأبسط من غير تضاد وتزاحم بينهما ، وهذا في مثال الحرارة والبرودة كجوهر الفلك عند التحقيق ، فإنه مع بساطته يوجد فيه هذه الكيفيات الأربع على وجه أعلى ، وأبسطهما يوجد في هذا العالم لأن التي توجد منها إنما يفيض منها وبواسطتها ، فالتوسط بهذا المعنى خير من التوسط بالمعنى الأول ، فمثال المذهب الأول كالحرارة النارية ، والمذهب الثاني كالبرودة المائية ، والثالث كالكيفية التي في الماء الفاتر ، والرابع كحال الفلك عند التحقيق ؛ حيث ليست حرارتها ضد برودتها مع
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 162
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص١٦٢