( 1 ) في مثل هذه الحالة تضيق الأرض على الأقلية بما رحبت وتغدو الدنيا لهم على سعتها كسجن ضيق وصغير ، ويصيرون عرضة للانهيار والسقوط بأقلّ قدر ممكن من الضغط عليها .
إن الاقليّة المخالفة المتمرّدة ربما تستسلم - في هذه الحالة - وتؤوب من منتصف الطريق ، وتطيع إرادة الأكثرية .
ولكن أقلية كهذه لا بد أن تكون ممّن لا تعود مخالفتها للأكثرية إلى أمر عقائديّ ولا يكون لانفصالها . عن الأكثرية طابع أصولي مبدئيّ ، كما لو كان خلافها مع الأكثرية مثلا على تحصيل ثروة أو منصب مهمّ أو ما شاكل ذلك .
فان مثل هذه الأقلية إذا أحسّت بخطر جدّي ، أو واجهت العذاب والسجن والحصار ستتراجع عن مخالفتها وتعود إلى طاعة الأكثرية مؤثرة اللّذة العابرة المؤقّتة على اللذة الاحتمالية ، لأنها لم تنطلق من دوافع ايمانية أصيلة ، ولم يكن المحرك لها محركا روحيا معنويا .
ولكن الجماعة التي يقوم خلافها للأكثرية على أساس الإيمان بهدف مقدس ، لن تنصاع أبدا لمثل هذه الضغوط ، ولن تنثني أمام هذه الرياح والعواصف ، ولا يزيدها ضغط الحصار الّا صلابة وقوة ، وإصرارا وعنادا ، وتردّ جميع ضربات العدوّ بالصبر والاستقامة .
إن صفحات التاريخ البشريّ تشهد بأن أقوى العوامل لثبات كل أقليّة وصمودها في وجه الأكثرية هو : قوة الايمان ، وعامل الاعتقاد ، الذي ربما يؤدّي رسالة الثبات والمقاومة ببذل آخر قطرة دم في ساحة المواجهة .
ولنا على هذا عشرات بل ومئات الأمثلة من التاريخ الغابر والحاضر .
قريش تحاصر النبيّ والمسلمين اقتصاديا واجتماعيا
( 2 ) لقد شقّ على قريش انتشار الإسلام المتزائد وأزعجها نفوذه العجيب في القبائل العربية في مدة غير طويلة بالنسبة إلى عمر الدعوة ولهذا كانت تفكر باستمرار في حلّ لهذه المشكلة .